بعد هرمز وباب المندب..

بعد هرمز وباب المندب..
هل بدأ الفخ الذي حذرت منه؟
من وصول الحوثي إلى البحر إلى ملامح تحالف مصالح سعودي–أوروبي
في مقالي المنشور بتاريخ 16 سبتمبر 2026م بعنوان:
«الحوثي وصل إلى البحر… لكنه دخل الفخ»
طرحت فكرة أساسية: وصول الحوثي إلى الساحل الغربي وباب المندب لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره انتصارًا مطلقًا؛ لأن انتقاله من الجبال إلى البحر قد يحمل في داخله أخطر فخ استراتيجي دخله منذ بداية الحرب.
فباب المندب ليس صنعاء ولا صعدة ولا مديرية يمنية يمكن فرض أمر واقع عليها وانتظار أن ينساه العالم.
باب المندب شريان دولي.
وبعد يوم واحد فقط، أعلن وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو أن بلاده لن تنتظر قرار عملية ASPIDES الأوروبية، وأن البحرية الإيطالية تستعد لضمان العبور الآمن للسفن الإيطالية عبر باب المندب.
وهنا بدأت ملامح الفخ تتضح، ومعها بدأت تظهر في تقديري نواة تقارب أمني سعودي–أوروبي تفرضه المصالح والجغرافيا، حتى وإن لم تحمل حتى الآن اسم تحالف رسمي.
الحوثي وصل إلى البحر.. فوصل إلى مصالح أوروبا
عندما كان الحوثي يقاتل داخل اليمن، كان العالم يستطيع النظر إلى الصراع باعتباره أزمة يمنية وإقليمية.
وعندما استهدف السعودية، أصبح تهديدًا مباشرًا للأمن السعودي.
لكن عندما وصل إلى باب المندب والجزر والساحل المطل على أحد أهم طرق التجارة العالمية، تغيرت المعادلة.
الحوثي لم يصل إلى البحر فقط؛ لقد وصل إلى المصالح الأوروبية والدولية.
فالقدرة على التأثير في مرور السفن بين المحيط الهندي والبحر الأحمر والسويس والمتوسط تنقل القضية إلى مستوى آخر.
وهنا تكمن المفارقة:
كلما ازدادت قوة الحوثي الجغرافية عند باب المندب، اتسعت دائرة الدول التي ترى في هذه القوة خطرًا على مصالحها.
وهذا هو الفخ.
السعودية وأوروبا.. من تقاطع المصالح إلى احتمال الشراكة
السعودية تواجه التهديد الحوثي منذ سنوات، لكن وصول الحوثي إلى باب المندب جعل الخطر يلامس أوروبا بصورة مباشرة.
وهنا تتقاطع المصالح بوضوح:
السعودية تريد بحرًا أحمر آمنًا، وأوروبا تريد باب مندب مفتوحًا، ومصر تريد حماية الطريق المؤدي إلى قناة السويس.
هذه ليست بعدُ معاهدة تحالف، لكنها قاعدة صلبة يمكن أن يُبنى عليها تعاون أمني أكبر إذا استمر التهديد.
والسعودية تحديدًا ليست طرفًا هامشيًا في هذه المعادلة.
فهي مرتبطة بهرمز شرقًا، وتمتلك اطول ساحل على البحر الأحمر غربًا، وعلى هذا الساحل موانئ ومنشآت طاقة ومشروعات اقتصادية استراتيجية.
لذلك فإن أمن البحر الأحمر جزء من الأمن القومي السعودي، وليس ملفًا خارجيًا.
وفي المقابل، تستطيع أوروبا توفير قوة بحرية متقدمة، لكنها تحتاج في أي ترتيبات طويلة الأمد إلى شركاء إقليميين يمتلكون الجغرافيا والموانئ والقدرات والمصلحة الدائمة.
وهنا تصبح السعودية شريكًا محوريًا في أي منظومة مستقبلية لأمن البحر الأحمر.
باب المندب أهم مما يبدو
سبق أن كتبت أن باب المندب قد يكون بالنسبة لأوروبا أكثر حساسية من هرمز من زاوية حركة التجارة.
هرمز مفتاح بالغ الأهمية للطاقة العالمية.
أما باب المندب فهو البوابة الجنوبية للطريق الذي يصل آسيا بالبحر الأحمر وقناة السويس والمتوسط وأوروبا.
تعطيله لا يرفع مخاطر الطاقة فقط، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد والشحن والتأمين والموانئ والمصانع والأسعار.
ولهذا تحدث وزير الدفاع الإيطالي عن التجارة وتكاليف البضائع، وليس عن الجانب العسكري وحده.
وهذا مهم؛ لأنه يعني أن باب المندب يتحول في الحسابات الأوروبية من أزمة بعيدة إلى قضية أمن اقتصادي مباشر.
من هرمز إلى السويس.. شريان واحد
الخريطة تختصر كثيرًا من الكلام:
هرمز و بحر العرب و باب المندب و البحر الأحمر و قناة السويس و المتوسط و أوروبا.
هذه ليست نقاطًا منفصلة، وإنما سلسلة استراتيجية واحدة.
ومن هنا قد يتطور الرد الدولي من مجرد مرافقة السفن إلى ترتيبات أكثر استدامة لحماية الممر نفسه.
وفي هذا السيناريو تتضح الأدوار بصورة طبيعية:
السعودية بثقلها الإقليمي وموقعها على البحر الأحمر، أوروبا بقدراتها البحرية، ومصر بموقعها عند قناة السويس.
وإذا انضمت قوى أخرى تعتمد تجارتها على هذا الطريق، فقد نكون أمام نواة منظومة دولية أوسع لأمن البحر الأحمر.
العالم لا يسلّم شرايين تجارته لتطمينات ميليشيا
وهذه في تقديري نقطة جوهرية.
قد يعلن الحوثي أنه لن يستهدف سفن دولة معينة، أو أن الملاحة ستكون آمنة وفق شروط يضعها.
لكن الدول وشركات الملاحة والتأمين لا تبني أمن ممر دولي بهذا الحجم على تطمينات جماعة مسلحة، وبالذات الحوثي بعد سجل من استهداف وتهديد السفن بالصواريخ والمسيّرات والزوارق.
السؤال الذي سيطرحه أي مالك سفينة أو شركة تأمين أو حكومة واضح:
من يضمن أن تطمين اليوم لن يتحول إلى تهديد غدًا؟
المشكلة إذن ليست فقط في نية الحوثي الحالية، وإنما في امتلاكه القدرة على تعطيل الملاحة إذا تغير قراره أو تغيرت ظروف الصراع.
وهذا هو جوهر الأمن الاستراتيجي.
الدول لا تحمي شرايين اقتصادها بحسن النوايا، بل بمنع أي طرف مسلح من امتلاك القدرة المنفردة على فرض إرادته على ممر دولي.
ولهذا قد تؤدي السيطرة الحوثية إلى نتيجة عكسية تمامًا.
بدل أن يقول العالم:
الحوثي يسيطر، فلنتعايش مع الواقع.
قد يقول:
الحوثي يسيطر، ولذلك يجب أن نضمن بأنفسنا ألا يستطيع إغلاق الممر.
وهنا يتحول المكسب الحوثي إلى سبب لاستدعاء المزيد من القوى البحرية الدولية.
الفخ بدأ يتضح
عندما كتبت في 16 سبتمبر:
«الحوثي وصل إلى البحر… لكنه دخل الفخ»
كنت أرى أن الوصول إلى باب المندب سيغيّر طبيعة الخصوم الذين سيواجههم الحوثي.
ثم جاء التحرك الإيطالي بعد يوم واحد ليقدم مؤشرًا مبكرًا على هذا الاتجاه.
لا يعني ذلك أن إيطاليا دخلت الحرب، ولا أن تحالفًا سعوديًا–أوروبيًا قد أُعلن.
لكن الاتجاه أصبح أوضح:
التمدد الحوثي الذي كان يفترض أن يزيد الضغط على السعودية قد يصبح هو نفسه سببًا لتقريب المصالح الأمنية الأوروبية من السعودية.
وهنا ربما يكون الخطأ الاستراتيجي الأكبر في الحساب الحوثي.
فقد يكسب أرضًا، لكنه في المقابل يحول خصومه من أطراف محلية وإقليمية إلى شبكة مصالح دولية.
الخلاصة
الحوثي أراد الوصول إلى البحر ليصبح أقوى.
لكنه عندما وصل إلى باب المندب نقل نفسه إلى معادلة أكبر من اليمن.
وإذا استمر التهديد، فقد تتحول المصالح السعودية والأوروبية المتقاطعة اليوم إلى شراكة أمنية أكثر وضوحًا لحماية البحر الأحمر وباب المندب، مع مصر ودول أخرى ترتبط مصالحها بهذا الطريق.
وهنا يظهر المعنى الكامل للفخ:
الحوثي وصل إلى البحر بحثًا عن ورقة قوة، لكنه قد يكون بوصوله إليه جمع أمامه مصالح السعودية وأوروبا ومصر والعالم البحري في نقطة واحدة.
فالسيطرة على الساحل ممكنة.
والسيطرة على جزيرة ممكنة.
لكن فرض أمر واقع على باب المندب أمام العالم شيء آخر تمامًا.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
18 سبتمبر 2026م
