كُتاب الرأي

الحوثي وصل إلى البحر…

الحوثي وصل إلى البحر…

لكنه دخل الفخ

ما يجري اليوم على الساحل الغربي لليمن ليس حدثًا عابرًا، ولا يجوز أن نقرأ الحرب بعدد المدن والجزر التي تتغير ألوانها على الخريطة خلال أيام. الحرب لا تُقاس بمن يرفع رايته اليوم فوق مدينة أو جزيرة، وإنما بالسؤال الأهم: من يستطيع تثبيت الأرض غدًا؟ ومن يستطيع حماية خطوطه؟ ومن يملك القدرة على الصمود عندما يتحول التمدد من مكسب إلى عبء؟

نعم، الحوثي حقق تقدمًا عسكريًا خطيرًا على الساحل الغربي، وسيطر على المخا ووصل إلى جزر البحر الأحمر ومحيط باب المندب، في تحول استراتيجي كبير يمس واحدًا من أهم الممرات البحرية في العالم. وهذه ليست قراءة أو مبالغة؛ إنها وقائع ميدانية وثقتها تقارير دولية خلال الأيام الماضية.

لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح هو:

هل كل تمدد انتصار؟

من وجهة نظري: لا.

لقد قلت مرارًا في مقالات سابقة إن مشكلة الحرب اليمنية لم تكن يومًا في قوة الحوثي وحدها، وإنما في ضعف وتشرذم وفساد المعسكر الذي يفترض أنه يقاتله.

وما حدث أخيرًا يؤكد جانبًا مهمًا من ذلك؛ فتقارير المعارك الأخيرة تحدثت عن تهاوي دفاعات القوات الحكومية وتساقط المواقع تباعًا، فيما تحدثت تقارير دولية عن انهيار قوات في بعض المواقع وترك أسلحة ومعدات خلفها.

وهنا يجب أن نسأل بلا مجاملة:

من فتح الطريق للحوثي؟

أنا لا أرى أن الحوثي صنع كل هذا التمدد بقوته وحدها. ومن وجهة نظري، فإن ما شهدناه طوال سنوات الحرب من انهيار بعض الجبهات، وسوء القيادة، والصراعات الداخلية، والمصالح الحزبية والشخصية، أسهم مباشرة في تمكينه.

بل إنني أرى أن ما حدث في بعض الجبهات يستحق التحقيق في الخيانة والتواطؤ؛ فالمشهد ليس جديدًا، وسبقته جبهة نهم والجوف وحتى صنعاء. ولا يمكن أن نقبل عبارة «انسحاب تكتيكي» في كل مرة تسقط فيها مدينة أو تنهار جبهة!

كيف تُترك المواقع؟

كيف تسقط الجبهات بهذه السرعة؟

كيف تصل أسلحة ومعدات إلى يد العدو؟

وكيف تنفق المملكة طوال سنوات الأموال والعتاد والدعم، ثم تنهار قوات يفترض أنها بُنيت لمواجهة الحوثي؟

هذه أسئلة يجب ألا تُدفن تحت ركام الحرب.

من صنعاء إلى نهم والجوف، ومن جبهات مأرب إلى الساحل الغربي، تتكرر المأساة بأشكال مختلفة: الحوثي يتقدم، وخصومه يتفرقون ويتراجعون.

فهل الحوثي بهذه القوة فعلًا؟

أم أن من يفترض أنهم يقاتلونه كانوا بهذا الضعف والتشرذم؟

لقد دخلت الحرب عامها الثاني عشر، ولا يمكن بعد كل هذه السنوات تعليق كل شيء على شماعة «قوة الحوثي».

هناك مسؤولية سياسية وعسكرية يمنية ضخمة يجب أن تُفتح ملفاتها اليوم وليس غدًا.

لكن المفارقة الكبرى أن الذين ساعدوا الحوثي، عن فشل أو فساد أو صراع مصالح، وربما في حالات تستوجب التحقيق في شبهة الخيانة والغدر، على الوصول إلى هذه المساحات، قد يكونون دفعوه دون أن يدركوا إلى أخطر فخ استراتيجي دخله منذ بداية الحرب.

وهنا تبدأ القصة الأخرى.

حين كان الحوثي يقاتل في جباله ومناطقه الداخلية كانت الجغرافيا تعمل لمصلحته. يعرف الأرض، وخطوط إمداده أقصر، وبيئته القتالية مألوفة له.

أما اليوم فقد خرج من الجبل إلى الساحل.

وكل كيلومتر يحتله على الساحل يحتاج إلى رجال.

وكل ميناء يحتاج إلى حماية.

وكل جزيرة تحتاج إلى إمداد.

وكل خط إمداد طويل يصبح أكثر عرضة للرصد والاستنزاف والقطع.

بمعنى آخر:

الحوثي كلما تمدد، تمددت معه نقاط ضعفه.

ولهذا فإنني لا أرى تمدده واحتلاله الساحل الغربي والجزر المطلة على البحر الأحمر انتصارًا نهائيًا كما يحاول أنصاره تصويره.

قد يكون العكس تمامًا.

قد يكون هذا هو الفخ الذي دخل إليه بقدميه.

فباب المندب ليس صنعاء.

وليس صعدة.

وليس مديرية يمنية بعيدة يستطيع الحوثي أن يفرض عليها أمرًا واقعًا ثم ينتظر أن ينساه العالم.

باب المندب شريان دولي.

والسيطرة عليه أو تهديد الملاحة حوله تنقل المعركة من حرب يمنية داخلية إلى قضية تمس أمن البحر الأحمر والتجارة والطاقة ومصالح دول عديدة.

وهنا يحاول الحوثي، في تقديري، أن يلعب لعبة أخرى: مغازلة المجتمع الدولي والقوى العظمى وطمأنتها إلى أن مصالحها لن تُمس.

فبعد تمدده على الساحل، أخذ يرسل رسالة واضحة إلى العالم: سفنكم ستمر، والملاحة الدولية لن تُستهدف، بل وصل الأمر إلى إبلاغ مسؤولين أمريكيين بأنه لن يستهدف السفن الأمريكية أو حتى الإسرائيلية، بينما يحتفظ لنفسه بحق استهداف السفن السعودية.

وقد أفادت رويترز في 16 سبتمبر بأن مسؤولين أمريكيين التقوا ممثلين للحوثيين سرًا في مسقط، وأن الحوثيين أكدوا خلال اللقاء عدم استهداف السفن الأمريكية أو الإسرائيلية مع احتفاظهم بحق مهاجمة السفن السعودية.

وهنا تنكشف المفارقة!

من يرفع منذ سنوات شعاراته ضد أمريكا وإسرائيل، ثم يصل إلى باب المندب فيسارع إلى طمأنتهما على سفنهما، بينما يجعل السفن السعودية وحدها هدفًا، فإنه يحاول – في تقديري – أن يبيع للعالم معادلة جديدة:

اتركوني على الساحل وفي باب المندب، وسأضمن لكم المرور، وسأحصر معركتي في السعودية.

إنها محاولة واضحة لتسويق نفسه للمجتمع الدولي كأمر واقع يمكن التعايش معه.

لكنني أرى أن هذا الغزل لن ينطلي طويلًا على المجتمع الدولي.

فأمن واحد من أهم شرايين التجارة العالمية لا يمكن أن يكون رهينة قرار ميليشيا تحدد اليوم من يمر ومن يُمنع، ومن تضمن له الأمان ومن تهدده، ثم تستطيع غدًا أن تغير شروطها وقائمة أعدائها.

المشكلة ليست فقط في السفينة التي يهدد الحوثي بمنعها اليوم، وإنما في امتلاكه أصلًا القدرة على ابتزاز الملاحة الدولية والتحكم بها.

والأهم من ذلك كله:

السعودية ليست سفينة تنتظر إذن الحوثي للعبور من باب المندب.

السعودية دولة تملك قدراتها وأدواتها وخياراتها.

ومن يظن أن المملكة ستقبل بأن يتحول الحوثي إلى حارس لبوابتها البحرية الجنوبية، يقرر أي سفينة سعودية تمر وأي سفينة يمنعها، فإنه يسيء قراءة المملكة وقدراتها ومصالحها الاستراتيجية.

وأنا أرى أن القضية بالنسبة للسعودية لم تعد مجرد إخراج الحوثي من باب المندب.

المشكلة هي وجوده وتمدده العسكري على الساحل الغربي كله.

فأمن البحر الأحمر لا يبدأ وينتهي عند المضيق، وإنما يمتد إلى الساحل والجزر والموانئ وخطوط الملاحة. والسعودية لديها من القدرات والأدوات ما يمكّنها من العمل على منع هذا التهديد ودفعه بعيدًا عن الساحل، أما كيفية ذلك وتوقيته فهي قرار سعودي تحدده المملكة وفق حساباتها ومصالحها.

وهنا بالضبط أرى الفخ.

الحوثي ربما يعتقد أنه بوصوله إلى البحر الأحمر وباب المندب أصبح أقوى.

لكن ماذا لو أصبح أكثر انكشافًا؟

ماذا لو تحولت الجزر والموانئ والساحل الطويل من غنيمة عسكرية إلى أهداف يتوجب عليه الدفاع عنها ليل نهار؟

وماذا لو انتقلت معركته من حرب الجبال التي يجيدها إلى حرب السواحل والممرات البحرية والمصالح الدولية؟

عندها ستختلف قواعد اللعبة.

ثم تأتي السعودية.

وأكبر خطأ يمكن أن يرتكبه الحوثي ومن يقف خلفه هو تفسير الصبر السعودي على أنه ضعف، أو ضبط النفس على أنه عجز.

السعودية دولة، وليست ميليشيا.

والدولة لا تتحرك بانفعال، ولا تختار توقيت معاركها استجابة لمقطع دعائي أو نشوة انتصار مؤقتة.

السعودية تحسب أمنها وحدودها ومدنها واقتصادها وتحالفاتها والطاقة والملاحة في البحر الأحمر، ثم تتخذ قرارها عندما ترى أن الوقت والهدف والوسيلة تخدم مصالحها.

والتصعيد أصبح مباشرًا وخطيرًا؛ فقد تزامن التقدم الحوثي مع هجمات بالصواريخ والمسيّرات على المملكة، فيما تكثفت الضربات الجوية السعودية على مواقع حوثية. وفي 16 سبتمبر أعلنت السعودية اعتراض وتدمير مسيّرة جنوب مكة قبل دخولها المجال الجوي المحظور للمدينة المقدسة، بينما نفى الحوثيون مسؤوليتهم عن استهداف مكة. كما أدانت منظمة التعاون الإسلامي هجمات قالت إنها استهدفت مكة ومنطقة المدينة المنورة.

لذلك أقول:

لا تستعجلوا إعلان المنتصر.

الحرب سجال.

والخريطة التي تغيرت خلال أسبوع تستطيع أن تتغير مرة أخرى.

ومن يصل إلى الأرض ليس بالضرورة قادرًا على الاحتفاظ بها.

ومن يمدد قواته ليس بالضرورة أنه أصبح أقوى؛ فقد يكون قد وزع قوته على مساحة أوسع، وكشف خطوطه، وأصبح أكثر قابلية للاستنزاف.

لا أنظر إلى المشهد الحالي باعتباره نهاية الحرب.

بل ربما يكون بداية فصل مختلف تمامًا منها.

فالسؤال الحقيقي ليس:

إلى أين وصل الحوثي؟

السؤال الأهم:

إلى أين وضع الحوثي نفسه؟

ومن صنعاء إلى الساحل الغربي، يجب ألا ننسى من فتحوا أمامه الطرق، ومن أضاعوا الجبهات، ومن فشلوا في حماية المواقع التي أوكلت إليهم. وأي شبهة تسليم متعمد أو تواطؤ أو خيانه يجب أن تخضع للتحقيق والمحاسبة.

أما الحوثي، فقد يحتفل اليوم بالساحل والجزر وباب المندب.

لكن التاريخ العسكري لا يحكم على المعارك بيوم الوصول، وإنما بيوم الصمود ويوم الحساب.

وقد يكون تمدده الذي يراه اليوم ذروة انتصاره هو نفسه بداية استنزافه.

لا تنظروا فقط إلى أين وصل الحوثي… انظروا إلى أين وضع نفسه.

أما السعودية… فلا تحكموا على صمتها قبل أن تروا قرارها.

وإذا ضربت السعودية أوجعت… وعليكم الانتظار.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
16 سبتمبر 2026م

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.