وطنٌ يعيش فينا

وطنٌ يعيش فينا
هناك أشياء نعيشها كل يوم حتى نعتاد وجودها، وننسى أنها نعمة ،فتصبح الطريق التي نسلكها كل صباح مجرد طريق، والمدرسة التي نقصدها كل يوم مجرد مدرسة، والبيت الذي نعود إليه في نهاية يومنا مجرد بيت.
ونعتاد الوجوه والأصوات والأماكن، حتى نظن أن الوطن شيء بعيد عنا، بينما هو في الحقيقة يسكن في تفاصيل حياتنا الصغيرة.
الوطن ليس فقط تاريخًا نقرأه، ولا علمًا نرفعه في المناسبات، ولا كلمات نرددها حين نحتفل به ،الوطن هو الذكريات التي صنعتنا، والأماكن التي شهدت خطواتنا الأولى، والأيام التي كبرنا فيها ونحن نشعر أن لنا مكانًا ننتمي إليه، وأن هناك أرضًا تحمل أحلامنا قبل أن نحققها.
وفي اليوم الوطني، لا أفكر فقط فيما وصل إليه وطننا، بل أفكر أيضًا فيما يمكن أن أصل إليه أنا فيه. فربما يكون مقعد الطالب الذي أجلس عليه اليوم بدايةً لطريق طويل، وربما يكون الحلم الذي أحمله الآن فكرةً صغيرة تتحول يومًا إلى إنجاز يعود نفعه على وطني، وربما يكون أبسط عمل أقوم به بإخلاص جزءًا من صورة أكبر لوطن يبنيه أبناؤه كل يوم.
وهنا أفهم أن حب الوطن ليس شعورًا يظهر في يوم واحد، ثم يختفي بانتهاء الاحتفال، بل هو قيمة تظهر في الطريقة التي نتعلم بها، وفي المسؤولية التي نحملها، وفي احترامنا للآخرين، وفي حرصنا على أن نترك خلفنا أثرًا أفضل مما وجدناه.
وفي كل عام، حين تتزين البلاد باللون الأخضر، أشعر أن الاحتفال الحقيقي ليس في أن نرى الوطن أجمل من الخارج فقط، بل في أن نسأل أنفسنا: ماذا نستطيع أن نقدم له من الداخل؟
فالوطن الذي منحنا أرضًا نحلم عليها، وحياةً ننمو فيها، يستحق أن نمنحه شيئًا من أحلامنا وعطائنا.
وربما لهذا أحب اليوم الوطني لأنه لا يجعلني أفتخر بوطن أعرفه فقط، بل يجعلني أنتبه إلى وطن كنت أعيش تفاصيله كل يوم دون أن ألتفت إليها.
فأدركت أن الوطن لم يكن يومًا شيئًا نبحث عنه في الكلمات الكبيرة ،فقد كان معنا منذ البداية ،في صباحاتنا، وذكرياتنا، وأحلامنا، وفي كل خطوة مشيناها على أرضه.
كل عام ووطننا يكبر بنا، ونكبر به،
وكل عام ونحن نكتشف فيه سببًا جديدًا يجعلنا نقول بكل امتنان:
هذا وطننا.
✍🏻حنان جري السبيعي