قف.. أمامك حَرَم!

قف.. أمامك حَرَم!
بقلم: د. عبدالرحمن الوعلان
مكة المكرمة بين قدسية المكان وخطورة الاستفزاز الحوثي وحكمة المملكة العربية السعودية
ليست كل الصواريخ مجرد أجسام تعبر السماء، وليست كل التهديدات رسائل عسكرية عابرة يمكن قراءتها بمعزل عن المكان والزمان. فحين يقترب التهديد من مكة المكرمة، فإننا نكون أمام مشهد يتجاوز حدود المواجهة التقليدية، ويمسّ مكانًا تتجه إليه قلوب المسلمين قبل أجسادهم، وتهفو إليه أرواحهم طلبًا للعبادة والأمن والطمأنينة.
قف.. أمامك حَرَم!
هنا مكة، وهنا بيت الله الحرام، وهنا قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم. هنا المكان الذي عظّمه الله، وجعل له حرمةً ومكانةً لا تشبهان أي مكان آخر على وجه الأرض. يقول الله تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97]، ويقول سبحانه: ﴿وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: 3]، كما دعا إبراهيم عليه السلام ربه بقوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: 35].
إنها مكة التي ارتبطت حرمتها بالأمن، وقد أكد النبي ﷺ مكانتها بقوله: «إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة» [متفق عليه]. فكيف يمكن أن يُقرأ أي تهديد يعرّض محيطها أو قاصديها للخطر باعتباره مجرد تفصيل عسكري عابر؟
تقع الطائف شرق مكة، وجدة غربها، وترتبط المدينتان بحركة الحجاج والزوار والمعتمرين عبر المطارات والطرق المؤدية إلى مكة المكرمة. ومكة في قلب هذا المشهد، مقصد الرحلة وغاية الوصول. ولذلك فإن أي تصعيد يعرّض أمن هذه المناطق أو قاصديها للخطر يستدعي قراءة مسؤولة تتجاوز حسابات السلاح إلى سلامة الإنسان وحرمة المكان.
وإذا كانت الصواريخ أو التهديدات قد استهدفت مناطق قريبة من مكة، فإن السؤال لا يتعلق بمساراتها الجغرافية وحدها، بل بما قد تحمله من رسائل، وبمدى تعريضها المدنيين وقاصدي البيت الحرام للخطر. أما الجزم بمساراتها أو بنيّات مطلقيها، فيحتاج إلى معلومات موثقة؛ لأن خطورة القضية لا تحتاج إلى مبالغة كي تكون واضحة.
حين يصبح التهديد استفزازًا لمشاعر المسلمين
إن خطورة السلوك الحوثي، متى ثبت تعريضه أمن مكة أو محيطها للخطر، لا تقف عند حدود التصعيد العسكري، بل تمتد إلى استغلال حساسية المكان وقدسيته في صناعة الخوف وإثارة القلق. وهنا تتكشف خطورة توظيف المقدسات في صراعات السياسة والسلاح؛ فالأماكن التي يقصدها الناس للعبادة والطمأنينة لا ينبغي أن تتحول إلى أدوات ضغط أو ساحات للاستفزاز.
إن من يضع أمن الحجاج والمعتمرين في دائرة الخطر، أو يلوّح بتهديد الأماكن المرتبطة بوصولهم إلى البيت الحرام، يضع نفسه أمام سؤال أخلاقي وإنساني كبير: أي قضية يمكن أن تبرر تعريض الأبرياء للخوف؟ وأي هدف سياسي يمكن أن يبرر المساس بأمن قاصدي بيت الله؟
أما الجهات التي تدعم هذا النهج أو تمدّه بالقدرات التي تمكّنه من تهديد المدنيين، فإن مسؤوليتها لا تنفصل عن مسؤولية الفاعل بقدر ما يثبت من دورها ومشاركتها. فالدعم الذي يسهّل الاعتداءات أو يعرّض الأبرياء للخطر ليس موقفًا معزولًا عن تبعاته الإنسانية.
إن الإنسانية تُختبر حين يكون أمن الأبرياء فوق الحسابات، وحين تُصان المقدسات من أن تتحول إلى أوراق ضغط، أما تعريض المدنيين للخطر، وترويع الآمنين، واستغلال قدسية المكان لإثارة الخوف، فهي ممارسات تستوجب الإدانة والمساءلة.
صبر المملكة.. حكمة..
وفي مقابل هذا التصعيد، تقف المملكة العربية السعودية أمام مسؤولية عظيمة؛ فهي لا تدير شأنًا عسكريًا فحسب، بل تحمي وطنًا ومقدسات، وتتحمل مسؤولية أمن مواطنيها والمقيمين على أرضها، وسلامة ضيوف الرحمن الذين يفدون إلى مكة من أنحاء العالم.
ومن هنا، فإن الصبر السعودي وضبط النفس والتعامل بحكمة مع الاستفزازات لا ينبغي أن يُقرأ إلا تثبتا ومعالجة حكيمة للموقف ، باعتباره اختيارًا تحكمه مسؤولية الدولة، وحرصها على حماية الإنسان، وتقديرها لعواقب التصعيد.
فالحكمة ليست غياب القدرة، والصبر ليس تنازلًا عن الحقوق. إنما هما قدرة على التمييز بين لحظة الانفعال ولحظة القرار، وبين رد الفعل العابر والموقف الذي تحكمه مصلحة الوطن وأمنه.
لكن الصبر لا يعني التهاون، والحكمة لا تعني التفريط. وللمملكة حق أصيل في حماية أرضها وسيادتها ومواطنيها والمقيمين فيها، واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المقدسات وقاصديها، والرد على الاعتداءات بحزم وبما تراه مناسبًا وفق مسؤولياتها والتزاماتها.
وإذا كان الاعتداء يثير الغضب، فإن حكمة الدولة تقتضي أن يتحول هذا الغضب إلى قرار محسوب، لا إلى انفعال عابر، فالحزم لا يناقض الحكمة، والرد المسؤول لا يناقض ضبط النفس؛ بل قد يكونان وجهين لمسؤولية واحدة: حماية الوطن وصون أمنه.
إن صبر المملكة له حدود،، وعلى العدو أن يدرك أن الدولة التي تحملت مسؤولية حماية الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن لا تتعامل مع أمن مقدساتها باعتباره شأنًا هامشيًا، بل مسؤولية كبرى تقتضي الحكمة واليقظة والحزم.
مكة أكبر من حسابات الصراع
إن مكة ليست ورقة في لعبة سياسية، ولا رمزًا يمكن العبث به لانتزاع موقف أو تسجيل مكسب. إنها البلد الحرام الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25].
وهي قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، ومقصد الحجاج والمعتمرين الذين يأتونها من كل فج عميق. لذلك فإن صون أمنها ليس شأنًا محليًا محدودًا، بل مسؤولية تتصل بطمأنينة المسلمين وحق الإنسان في أداء عبادته بعيدًا عن الخوف والتهديد.
إن الرسالة التي ينبغي أن تصل واضحة: لا يجوز أن يتحول أمن ضيوف الرحمن إلى جزء من معادلات الصراع، ولا أن تُستغل قدسية مكة في صناعة التهديدات أو إثارة الفزع.
قف.. أمامك حَرَم!
هنا مكة، حيث تتجلى حرمة المكان، وتلتقي قلوب المسلمين على قبلة واحدة. هنا ضيوف الرحمن الذين جاؤوا للعبادة، لا ليكونوا أهدافًا للتهديد أو أدوات في صراع.
ستبقى مكة بإذن الله مقصدًا للآمنين، وستظل حرمتها فوق حسابات السلاح والسياسة. وستواصل المملكة مسؤوليتها في حماية الوطن والمقدسات وضيوف الرحمن، بين حكمة الصبر وواجب الحزم.
قف.. أمامك حَرَم!
فمكة ليست ساحةً لتصفية الحسابات، ولا أمن قاصديها ورقةً للابتزاز، ولا قدسيتها مجالًا للاستفزاز. إنها حرمة الله، وأمانة في أعناق من يسعون إلى صون أمنها وسلامة من يقصدها.
كاتب رأي



