في ظلال المسرح

متى نرى المسرح في مدارسنا؟

متى نرى المسرح في مدارسنا؟

د. عبدالرحمن الوعلان

إن السؤال الأكثر إلحاحًا في المجتمع هو: متى نرى المسرح في مدارسنا؟ بمعنى: متى يرتقي المسرح بتعليمنا؟ فالمسرح التعليمي ليس ستارة تُرفع في نهاية الفصل الدراسي، ولا مجموعة من الطلاب يحفظون نصًا، ثم يقفون أمام جمهور لتقديمه في مناسبة مدرسية. المسرح، حين يدخل التعليم، ينبغي أن يدخل بوصفه منهجًا في التفكير، وأداة في بناء الشخصية، ووسيلة في اكتشاف الموهبة، ومجالًا لتدريب الطالب على الحوار والاختيار والمسؤولية. المشكلة أننا كثيرًا ما تعاملنا مع المسرح في المدرسة باعتباره (نشاطًا) لحظيًا لمناسبة معينة، بينما يمكن أن يكون أكثر من ذلك بكثير.

يمكن للمسرح أن يعلّم الطالب اللغة دون أن يشعر أنه يتلقى درسًا في اللغة، وأن يعلّمه التاريخ من خلال الشخصية والحدث، وأن يقرّبه من الأدب حين يتحول النص إلى حياة، وأن يدربه على التفكير النقدي حين يضعه أمام موقف يحتاج إلى تفسير واختيار. لكن هذا كله لن يحدث إذا ظل المسرح المدرسي أسير المناسبات.

نحتاج إلى أن ننتقل من مسرح المناسبة إلى مسرح التجربة، ومن مسرح يقدّم للمدرسة صورة جميلة أمام الضيوف، إلى مسرح يترك أثرًا في الطالب بعد أن يغادر الخشبة. فالطالب الذي يقف على المسرح لا يتعلم التمثيل وحده؛ إنه يتعلم كيف ينصت، وكيف يتحدث، وكيف يواجه الجمهور، وكيف يضبط انفعاله، وكيف يعمل مع الآخرين، وكيف يفهم شخصية تختلف عنه، وكيف يحوّل الفكرة إلى فعل. وهنا تكمن القيمة التعليمية الحقيقية.

إن المسرح يستطيع أن يعالج واحدة من أكبر مشكلات التعليم المعاصر، وهي أن الطالب يتلقى المعرفة أكثر مما يمارسها. في الفصل يسمع ويقرأ ويجيب، أما في المسرح فإنه يعيش المعرفة. حين يؤدي شخصية تاريخية، فإنه لا يحفظ التاريخ فقط، وإنما يسأل: لماذا فعلت هذه الشخصية ذلك؟ وحين يؤدي شخصية أدبية، فإنه لا يقرأ النص فقط، وإنما يدخل إلى عالمه. وحين يقف أمام زملائه، فإنه لا يتعلم مهارات التواصل نظريًا، وإنما يمارسها.

ولهذا فإن الارتقاء بالمسرح التعليمي لا يبدأ من زيادة عدد العروض، وإنما من إعادة تعريف وظيفة المسرح داخل المدرسة. نحتاج إلى معلم يرى المسرح وسيلة تعليمية، وإلى كاتب يعرف طبيعة الطالب، وإلى مخرج يفهم البيئة المدرسية، وإلى إدارة مدرسية تمنح المسرح مساحة حقيقية، وإلى مناهج تستطيع أن تفتح أبوابها للفنون بدلًا من أن تضعها في الهامش، وإلى وزارة تهتم بالمواهب التعليمية المتخصصة في المسرح. والأهم من ذلك كله أن نكف عن النظر إلى المسرح باعتباره ترفًا.

فالمجتمعات التي تريد بناء إنسان قادر على الحوار والإبداع والثقة بالنفس، لا يمكنها أن تتجاهل المسرح. المسرح ليس ترفًا عندما يكون هدف التعليم بناء الإنسان. لماذا لا يتعلم الطالب من خلال المشهد والحوار والمحاكاة ولعب الأدوار والارتجال والكتابة المسرحية؟ ولماذا لا تتحول المدرسة من مكان يتلقى فيه الطالب المعرفة إلى فضاء يجرب فيه المعرفة ويعيد إنتاجها؟ ربما هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

ولماذا لا نحول المسرح التعليمي إلى مسرح عام يناقش قضايا المجتمع؟ إن المسرح الذي نريده في التعليم ليس مسرحًا يبحث عن التصفيق، وإنما مسرحًا يبحث عن التحول. ولا نريد طالبًا يجيد الوقوف على الخشبة فحسب، وإنما طالبًا يستطيع أن يقف أمام الحياة بثقة. عندها فقط يمكن أن نقول: لم يرتقِ المسرح بالتعليم وحده، وإنما ارتقى التعليم بالإنسان.

فمتى نبدأ يا وزارة التعليم؟ ومتى يصبح ذلك حقيقة؟ متى نرى مسرحيات أبنائنا وبناتنا؟ ومتى نغرس حب المسرح في الأبناء والبنات؟ ومتى تحقق ذلك سأقول: أحسنتم.

كاتب رأي

 

 

الدكتور عبدالرحمن الوعلان

كاتب رأي ومسرح ومعد برامج ومشرف في ظلال المشهد المسرحي وخبر عاجل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.