محمد بن سلمان.. يقرأ المستقبل من مكة

محمد بن سلمان.. يقرأ المستقبل من مكة
بقلم د.عبدالرحمن الوعلان
ليست كل القرارات السياسية تُولد لتخاطب لحظتها، فبعض القرارات تُتخذ اليوم، لكن معناها الحقيقي لا يظهر إلا عندما يكشف المستقبل عن أسبابه ونتائجه. ومن هذا النوع، يبدو اتفاق الدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، الذي جاء من مكة، حدثًا يتجاوز حدود الاتفاق العسكري إلى قراءة أوسع لتحولات العالم وموازين القوة فيه.
على مدى قرابة مئة عام منذ قيام الدولة السعودية الثالثة، مرت المملكة بمحطات سياسية وأمنية عديدة، وبنت علاقات وشراكات مختلفة مع دول العالم، إلا أن المرحلة الراهنة تحمل طبيعة مختلفة؛ فالعالم يتغير بوتيرة متسارعة، والتحالفات يعاد تشكيلها، ومصادر التهديد لم تعد محصورة في الجيوش والأسلحة التقليدية، بل أصبحت تمتد إلى الصواريخ والطائرات المسيّرة والحروب السيبرانية والتقنيات الحديثة، فضلًا عن جماعات وقوى ترى في الفوضى وعدم الاستقرار وسيلة لتحقيق أهدافها.
وفي خضم هذا المشهد، تبدو براعة الأمير محمد بن سلمان في أنه لا يتعامل مع المستقبل بوصفه حدثًا مجهولًا ينتظر وقوعه، وإنما بوصفه مجموعة من الاتجاهات التي يمكن قراءتها والاستعداد لها. وهذه ربما واحدة من أهم سمات القيادة الاستباقية: أن ترى ما وراء الحدث، وأن تبني خياراتك قبل أن تتحول الاحتمالات إلى أزمات.
ومن هنا يمكن قراءة اتفاق مكة.
فالسعودية وتركيا وباكستان ليست ثلاث دول اجتمعت حول ورقة دفاعية فحسب؛ إنها ثلاث قوى تمتلك عناصر مختلفة من القدرة يمكن أن تتكامل في إطار واحد. السعودية بثقلها السياسي والاقتصادي والاستراتيجي ومكانتها الدينية وموقعها الجغرافي المحوري، وتركيا بما تمتلكه من قدرات عسكرية وخبرة جيوسياسية وصناعة دفاعية متقدمة، وباكستان بخبرتها العسكرية وثقلها الاستراتيجي وموقعها المهم في جنوب آسيا.
وعندما تجتمع هذه العناصر، فإن المسألة لا تعود مجرد زيادة في عدد الحلفاء، بل تصبح بناءً لشبكة من القوة والقدرة والردع.
وهنا تظهر براعة محمد بن سلمان في اختيار الشراكات. فالدبلوماسية الذكية ليست أن تجمع أكبر عدد من الدول حولك، وإنما أن تعرف ماذا يمكن أن تضيف كل شراكة إلى أمن بلدك ومصالحه ومستقبله. وهذه النظرة تجعل التحالفات جزءًا من استراتيجية أوسع، وليست مجرد رد فعل على أزمة مؤقتة.
وللمكان الذي خرج منه الاتفاق دلالته الخاصة. مكة ليست عاصمة سياسية عادية، وإنما قلب العالم الإسلامي، ومكان يرتبط في الوجدان بمعاني الأمن والسلام والوحدة. ولذلك فإن ارتباط هذا الاتفاق بمكة يمنحه بعدًا رمزيًا لافتًا؛ فالقوة هنا لا تُقدم بوصفها بحثًا عن الحرب، وإنما بوصفها وسيلة لحماية السلام ومنع الاعتداء.
وهذه هي فلسفة الردع في أبسط صورها: أن تمتلك من القوة ما يجعل الحرب خيارًا أقل جاذبية لمن يفكر في إشعالها.
فالسلام لا يعني أن تكون الدولة بلا قوة، كما أن امتلاك القوة لا يعني الرغبة في استخدامها. بل إن أقوى أشكال الردع هي تلك التي تجعل استخدام القوة آخر الخيارات الممكنة.
ومن هنا، فإن اتفاق مكة يمكن أن يُقرأ باعتباره انتقالًا في التفكير الأمني من انتظار الخطر إلى الاستعداد له، ومن التعامل مع التهديد بعد وقوعه إلى محاولة منعه قبل أن يبدأ.
وهذا التحول لا يمكن فصله عن المسار الأوسع الذي تقوده السعودية خلال السنوات الأخيرة؛ مسار يقوم على تنويع الشراكات، وتعزيز القدرات الدفاعية، وتوطين الصناعات، والاستثمار في التقنية، وبناء اقتصاد أكثر قوة، وتوسيع العلاقات الدولية شرقًا وغربًا.
قد تبدو هذه الملفات متباعدة إذا نظرنا إليها كل واحدة على حدة، لكنها تصبح أكثر وضوحًا عندما نضعها في إطار واحد: بناء دولة تمتلك خياراتها، وتملك القدرة على حماية مصالحها، ولا تنتظر من الآخرين أن يرسموا لها مستقبلها.
وهنا تحديدًا تكمن إحدى صور دهاء محمد بن سلمان السياسي.
فالدهاء الحقيقي في السياسة ليس في كثرة المناورات، ولا في البحث عن الخصوم، وإنما في القدرة على صناعة الخيارات. أن تجعل أمام وطنك أكثر من طريق، وأكثر من شريك، وأكثر من مصدر للقوة، بحيث لا يصبح القرار الوطني رهينة لظرف دولي متغير.
والعالم اليوم لا يرحم الفراغ.
فحين تتراجع منظومات الردع، تظهر قوى تحاول اختبارها. وحين تضعف الدول، تتسع شهية من يبحثون عن النفوذ من خلال الفوضى وعدم الاستقرار. ولذلك فإن بناء تحالف دفاعي لا يعني بالضرورة أن الدول الثلاث تبحث عن مواجهة، بل يمكن أن يعني أنها تريد إغلاق الطريق أمام من يعتقد أن أمنها قابل للاختبار.
وهنا تتضح الرسالة الأهم: لا تبحث السعودية عن حرب، لكنها لا تريد أن تكون الحرب قرارًا يُفرض عليها من الآخرين.
وفي السياسة، لا تكفي قوة القرار؛ فالتوقيت جزء من قوته. وربما يكون أحد أبرز أوجه الذكاء في اتفاق مكة أنه يأتي في مرحلة تتسارع فيها إعادة تشكيل التحالفات وموازين القوة حول العالم. ومن يقرأ هذه التحولات مبكرًا يستطيع أن يبني موقعه قبل أن تصبح الخيارات أكثر ضيقًا.
وهذا هو الفارق بين من ينتظر المستقبل ومن يستعد له.
محمد بن سلمان لا يملك بالتأكيد قدرة على معرفة تفاصيل الغد، لكنه يمتلك ما هو أكثر أهمية بالنسبة إلى رجل دولة: القدرة على قراءة الاتجاهات، وفهم طبيعة التحولات، وربط الأحداث المتفرقة في صورة استراتيجية واحدة.
لذلك فإن اتفاق مكة لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية السلاح والجيوش، بل من زاوية أوسع: كيف تفكر السعودية في أمنها، وكيف تنظر إلى موقعها في العالم، وكيف تحاول أن تبني شبكة من الشراكات تجعلها أكثر قدرة على حماية قرارها ومصالحها.
ثلاث دول، بثلاثة مواقع استراتيجية، وبقدرات مختلفة، تلتقي في مكة حول مفهوم الدفاع المشترك. والمغزى الأعمق هنا أن القوة الحديثة لم تعد قوة دولة منفردة فقط، وإنما قوة الدولة وقدرتها على بناء شراكات ذكية معها.
لقد تغير العالم، وتغيرت أدوات الصراع، وتغيرت طبيعة التهديد، ولذلك كان من الطبيعي أن يتغير مفهوم الأمن نفسه.
ومن مكة، يمكن قراءة الرسالة بوضوح: السلام هدف، والقوة وسيلة لحمايته، والتحالفات ليست بالضرورة إعلانًا عن خصومة، وإنما قد تكون إعلانًا عن استعداد.
وفي نهاية المطاف، قد تكون القيمة الأهم في اتفاق مكة أنه يعكس عقلية سياسية تنظر إلى المستقبل قبل أن يصل.
وهنا يعود عنوان المقال ليختصر الفكرة كلها:
محمد بن سلمان.. يقرأ المستقبل من مكة.
يقرأه لا عبر التنبؤ بما سيحدث، وإنما عبر الاستعداد لما قد يحدث؛ لا عبر انتظار العاصفة، وإنما عبر بناء القدرة قبل وصولها؛ ولا عبر البحث عن الحرب، وإنما عبر امتلاك القوة التي تجعل السلام أكثر أمنًا واستقرارًا.
إنه دهاء القيادة حين يتحول الاستشراف إلى قرار، والقرار إلى شراكة، والشراكة إلى ردع، والردع إلى مساحة أوسع للسلام.
فمن يقرأ المستقبل مبكرًا، لا ينتظر أن يكتب الآخرون مكانه.
كاتب رأي



