كُتاب الرأي

الهجوم الأمريكي على إيران ..

الهجوم الأمريكي على إيران ..
وشيك .. أم قريب؟

رؤية تحليلية عسكرية .

الأحد الموافق ( 27 ) سبتمبر ( 2026 )م .

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

( في فن العمليات ، قد تصنع الدولة بنفسها البيئة التي تستدعي استخدام القوة ضدها ، عندما تجعل التهديد والتصعيد وتمديد الصراع أدوات ثابتة في سياستها . )

لم تصل المنطقة إلى هذا المستوى الخطير من التوتر بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني فجأة ، ولم تبدأ أزمة مضيق هرمز من فراغ . فما يجري اليوم هو نتيجة تراكم طويل من سياسات التصعيد التي انتهجها النظام المقيت ، وتوظيفه جماعات إرهابية مسلحة خارج حدود الدولة ، وربط النفوذ السياسي بالقوة العسكرية والصواريخ والمسيرات وتهديد الممرات البحرية .

واليوم ، وبعد رفض الرئيس الأمريكي / دونالد ترامب المقترح الإيراني الأخير المتعلق بوقف القتال وإعادة فتح مضيق هرمز ، عاد السؤال بقوة :

هل أصبح الهجوم الأمريكي الجديد على إيران وشيكا .. أم قريبا؟

طهران تتمسك بالدبلوماسية للخروج من الأزمة ، لكن المشكلة ليست في الدعوة إلى التفاوض ، بل في التناقض بين لغة التفاوض على الطاولة واستمرار أدوات الضغط العسكري في الميدان .

فلا يمكن الحديث عن أمن إقليمي مستدام بينما تبقى الممرات البحرية تحت التهديد ، ولا يمكن المطالبة بخفض التصعيد فيما تستمر جماعات إرهابية مسلحة مرتبطة بطهران في التأثير على أمن دول المنطقة وسيادتها .

القوة الأمريكية موجودة ، لكن وجود القوة شيء ، وصدور قرار استخدامها شيء آخر .

فالولايات المتحدة تملك بالفعل وجودا عسكريا وقدرات كبيرة في المنطقة ، وقد سبق أن استخدمت جزءا منها ضد أهداف إيرانية . ولذلك لم يعد السؤال يتعلق بقدرة واشنطن على تنفيذ ضربة جديدة ، بل بتوقيتها وأهدافها وحجمها ، وما إذا كانت ستبقى محدودة أم تتسع إلى جولة عسكرية أكبر .

وفي الحروب ، تبقى القوة العسكرية أداة لتحقيق غاية سياسية . فإذا كان ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز في صدارة الأهداف الأمريكية ، فإن القدرات التي تهدد السفن والممر البحري ستبقى بطبيعة الحال في صلب الحسابات العسكرية والسياسية . أما إذا اتسعت الغاية إلى إضعاف قدرة طهران على مواصلة المواجهة إقليميا ، فإن الحساب يصبح أكبر بكثير .

وهنا تكمن المعضلة التي صنعها النظام الإيراني لنفسه .

فعلى مدى سنوات طويلة ، بنى النظام الإيراني جزءا مهما من نفوذه الإقليمي على تسليح وتمويل ودعم جماعات مسلحة تعمل خارج مؤسسات الدولة ، حتى امتدت هذه الشبكة بدرجات متفاوتة من العراق إلى لبنان واليمن .

وفي اليمن ، مكن الدعم الإيراني الحوثيين الإرهابيين من تطوير قدرات صاروخية ومسيرة وبحرية استخدمت في تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وفي هجمات عابرة للحدود . وفي العراق ، أسهم نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران في تعقيد مسألة حصر السلاح بيد الدولة . وفي لبنان ، ظل سلاح حزب الله لسنوات موضع خلاف داخلي حول حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة .

ولم تعد خطورة هذا النهج بعيدة عن أراضي المملكة العربية السعودية ، أو مجرد احتمال نظري .

ففي الثامن من سبتمبر تعرضت منشآت للطاقة ومدن في جنوب المملكة لهجمات حوثية آثمة بالصواريخ والمسيرات ، وأسفرت ، بحسب الجهات الأمنية الرسمية، عن إصابة ( 73 ) شخصا ، بينهم نساء وأطفال .

ثم تواصل التصعيد الغاشم و الآثم  . ففي الرابع والعشرين من سبتمبر أعلن التحالف اعتراض وتدمير ستة صواريخ باليستية أطلقتها الميليشيا الحوثية الجبانة واستهدفت الطائف وينبع . وفي السادس والعشرين من الشهر نفسه أعلن اعتراض صاروخين باليستيين باتجاه خميس مشيط ومسيرتين باتجاه منطقة الرياض .

وهنا تصبح المسألة أوضح : فحين تنتقل الصواريخ والمسيرات من ساحات النفوذ إلى استهداف أراضي الدول ومدنها ومنشآتها ومواطنيها ، فإن سياسة الأذرع المسلحة تتحول من أداة ضغط إقليمي إلى تهديد مباشر لأمن الدول وسيادتها .

لكن الاعتداء شيء ، والقدرة على تحقيق الغاية العسكرية والسياسية منه شيء آخر .

وقد أظهرت منظومة الطاقة السعودية خلال الأزمة مرونة استراتيجية في تغيير مسارات تدفق النفط بين الساحلين الشرقي والغربي وفقا للظروف . فخط أنابيب شرق ـ غرب ، الممتد من المنطقة الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر ، يمثل أحد أهم عناصر هذه المرونة ، وتبلغ طاقته نحو ( 7 ) ملايين برميل يوميا من النفط الخام ، منها نحو ( 2 ) مليون برميل يوميا مخصصة للمصافي .

وعندما تعرض الخط لعدة استهدافات في منطقتي الرياض والمدينة المنورة صباح العاشر من سبتمبر ، أعلنت وزارة الطاقة إيقافه احترازيا . وفي المقابل ، أتاحت منظومة التصدير على الساحل الشرقي ، عبر رأس تنورة والجُعيمة والخليج العربي ، مسارا آخر لتدفقات الخام السعودي إلى الأسواق .

وأظهرت بيانات تتبع الشحن البحري أن صادرات الخام السعودية عبر مضيق هرمز كانت في طريقها للارتفاع خلال سبتمبر إلى نحو ( 3.6 ) ملايين برميل يوميا ، مقارنة بنحو ( 900 ) ألف برميل يوميا في أغسطس .

وهذه ليست مجرد مرونة لوجستية ، بل قدرة استراتيجية على إعادة توزيع خطوط الإمداد وامتصاص أثر الضغط على أحد مسارات التصدير . ففاعلية الهجوم لا تقاس بعدد الصواريخ والمسيرات التي تطلق ، وإنما بمقدار ما تحققه من أثر مستدام في الهدف .

ومن هنا ، فإن أي قراءة لاحتمال تجدد العمليات الأمريكية ضد إيران لا تكتمل من دون النظر إلى نشاط الجماعات والميليشيات الإرهابية المدعومة من طهران ؛ لأن اتساع هجماتها قد يدخل في حسابات التصعيد والردع الأمريكية والإقليمية .

كما أن هذه الاعتداءات لا تنفصل عن أمن الطاقة والممرات البحرية ؛ فاستهداف منشآت الطاقة بالتوازي مع التهديد في البحر الأحمر وباب المندب يوسع دائرة التأثير من الميدان العسكري إلى الاقتصاد والطاقة والتجارة الدولية .

لقد بنى النظام الإيراني عبر سنوات شبكة من الجماعات المسلحة التي منحته أدوات ضغط متقدمة خارج حدوده . غير أن هذه الأدوات التي عززت نفوذه الإقليمي في مراحل سابقة قد تتحول ، عند اتساع المواجهة ، إلى جبهات إضافية تزيد أعباءه وتضيق خياراته .

ومضيق هرمز اليوم شاهد على خطورة هذه المعادلة .

فهو ليس مجرد ممر بحري ، وإنما شريان استراتيجي للطاقة والتجارة الدولية . وتعطيل الملاحة فيه لا يصيب طرفا عسكريا واحدا ، بل تمتد آثاره إلى أسعار الطاقة والتأمين والنقل وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي . وعلى الجانب الآخر تقف معادلة باب المندب والبحر الأحمر . وبذلك تتشكل أمام العالم صورة أوسع : هرمز في الشرق ، وباب المندب والبحر الأحمر في الغرب ، وفصائل إرهابية مسلحة مرتبطة بطهران في العراق ، وحزب الله المسلح في لبنان .

وهذه بيئة تسمح للأزمة بأن تنتقل من جبهة إلى أخرى ، وتجعل أي مواجهة مباشرة مع إيران قابلة للامتداد إلى مسارح أخرى .

فالحرب الحديثة لا تسأل فقط : أين تستطيع أن تضرب خصمك؟ بل تسأل أيضا : من أين يمكن أن يأتي الرد ، وكم جبهة تستطيع تحملها إذا اتسعت الحرب؟

وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية أمام طهران : فشبكة النفوذ التي بنتها خارج حدودها قد تتحول ، عند اتساع المواجهة ، من مصدر للقوة والضغط إلى مصدر للاستنزاف وتعدد الجبهات .

أما الحديث عن ساعة الصفر فلا يزال سابقا لما هو معلن رسميا .

فالمؤشرات العسكرية والسياسية قائمة ، والولايات المتحدة تحتفظ بقدرات عسكرية كبيرة في المنطقة ، لكن لا يوجد حتى الآن إعلان رسمي يحدد موعد جولة أمريكية جديدة من الضربات .

وهذه هي المسافة التي ينبغي المحافظة عليها بين المؤشر والمعلومة والقرار .

فإذا نجحت الوساطة في إعادة الملاحة الطبيعية عبر هرمز وخفض العمليات العسكرية ، فقد يتراجع الخيار العسكري دون أن يختفي . أما إذا انهارت الوساطة ، واستمر تعطيل الملاحة ، أو تعرضت القوات والمصالح الأمريكية أو دول المنطقة لهجمات جديدة ، فقد تضيق مساحة الدبلوماسية بصورة أكبر .

وعندها لن يكون السؤال فقط :

هل الهجوم الأمريكي على إيران وشيك .. أم قريب؟

بل سيكون السؤال الأكبر :

ما حجم العملية ، وما حدودها ، وأين سيكون الرد ، وهل تستطيع الأطراف منع الجولة التالية من التحول إلى حرب أوسع؟

ويبقى السؤال الذي تواجهه طهران اليوم : هل يعيد النظام الإيراني حساباته في سياسة الأذرع والسلاح وتهديد الممرات قبل أن تتحول أدوات نفوذه إلى أسباب لاستنزافه؟

فالسياسة الهجومية التخريبية التي وسعت النفوذ خارج الحدود قد تنتهي بتضييق الخيارات على صاحبها ، والجبهات التي فتحت بعيدا عن الداخل قد ترتد آثارها إليه ، والسلاح الذي صنع النفوذ قد يصبح عبئا إذا أخطأ صاحبه في حساب القوة والردع .

( ومن حكم التاريخ : من بالغ في إختبار قوة الآخرين إستدعى قوتهم ، ومن زرع الأزمات حول الآخرين لا يضمن ألا تكتمل دوائرها حوله . ) .

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

تعليق واحد

  1. المواجهه مؤجله لحين معرفة نتائج الادوات الاخرى من حصار اقتصادي واثارة قلاقل داخليه تجعل النظام يتاكل من الداخل وتقليص دور الاذرع في المنطقه ليصبح التدخل هو الضربه القاضيه او الاستسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.