الفأل.. حين لا نُطفئ الغد

الفأل.. حين لا نُطفئ الغد
بقلم: عبدالعزيز الموسى
ليس أخطر ما يواجه الإنسان أن يتعثر، وإنما أن يجعل من تعثره تفسيرًا للمستقبل. قد يخسر فرصة، أو يتأخر عنه ما يرجو، أو يخرج من تجربة مثقلًا بالخيبة؛ لكنها تظل أحداثًا وقعت، ولا تصبح خطرة إلا حين تتحول إلى قناعة بما سيقع.
الإحباط ابن التجربة، أما اليأس فابن التعميم. الأول يقول: لم يحدث ما أردت، والثاني يتقدم خطوة أخرى ليقول: لن يحدث. عندها يتحول الماضي من تجربة إلى سلطة، وتصبح الخيبة حكمًا على ما لم يأتِ بعد.
اليأس، في جوهره، ليس حزنًا على ما وقع، بل يقينًا بما لم يقع.
ولعل أخطر ما يفعله اليأس أنه لا يسلب الإنسان ما يملك، بل يجعله يتخلى عنه قبل أن يستعمله. يفقد الرغبة في المحاولة، لا لأنه استنفد كل الطرق، وإنما لأنه افترض أن الطرق لن تقوده إلى شيء.
من هنا يُفهم معنى النهي القرآني عن اليأس: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾. فالمشكلة ليست في أن يحزن الإنسان أو يضعف، وإنما في أن يحوّل محدودية علمه إلى حكم على ما يمكن أن يأتي به الله.
وهنا يظهر حسن الظن بالله بوصفه أوسع من التفاؤل. التفاؤل قراءة إيجابية للظروف واحتمالات النجاح، أما حسن الظن بالله فثقة لا تتوقف على تحقق النتيجة بالصورة التي رسمها الإنسان. وفي الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي». ليست المسألة وعدًا بأن يحصل المرء على كل ما يريد، وإنما ألا يجعل اختلاف القدر عن توقعه سببًا لاختلال ثقته بالله.
أما الأمل فهو تعلق بغاية مرجوة: نجاح مشروع، أو تحقق أمنية، أو تجاوز محنة، أو بلوغ أمر طال انتظاره. ولذلك يقوى ويضعف بحسب ما يراه الإنسان من إمكانات واحتمالات.
أما الفأل فمختلف في طبيعته. إنه لا يتعلق بما نريد أن يحدث بقدر ما يتعلق بكيفية استقبال ما لم يحدث بعد. ولذلك قال النبي ﷺ: «ويعجبني الفأل». فالفأل لا يكشف المستقبل ولا يضمنه؛ إنما يمنع الإنسان من أن يملأ المجهول بأسوأ الاحتمالات.
التفاؤل يقرأ الاحتمالات، والأمل يتطلع إلى الغاية، والفأل يفتح باب المستقبل، وحسن الظن بالله يمنح القلب الثقة وهو لا يعرف ما وراء الباب.
ومن هنا تتضح المسافة بين الفأل والطيرة. التطيّر يحوّل علامة عابرة إلى تفسير لما سيأتي، ثم يمنح الوهم سلطة على القرار؛ أما الفأل فيترك المستقبل مفتوحًا. التطيّر يحوّل المجهول إلى تهديد، والفأل يحوّله إلى احتمال.
وهذا ليس فرقًا لغويًا فحسب، بل طريقة مختلفة في التعامل مع ما لا نعرفه. فالإنسان حين يخاف يميل إلى ملء الفراغ بأسوأ الاحتمالات، ثم يتعامل معها كما لو كانت حقائق. أما الفأل فيذكّره بأن عدم معرفته بالمستقبل لا يعني أن أسوأ احتمالاته هي الأكثر صدقًا.
ولهذا قد يأمل الإنسان في نتيجة محددة ثم لا تتحقق، لكن عدم تحققها لا يعني فقدان الأفق. قد يتغير الطريق، أو تتبدل الغاية، أو تظهر فرصة لم تكن في الحساب. الفأل لا يتعلق بتحقيق الصورة التي تخيلناها، بل بالاستعداد لأن تكون الحقيقة أوسع منها.
وفي زمن تتكاثر فيه المقارنات والنتائج السريعة، يزداد خطر النظر إلى حياة الآخرين من نافذة النتيجة وحدها. فما نراه هو لحظة الوصول، لا الطريق الذي سبقها؛ الصورة المكتملة، لا المحاولات التي لم تصل إلى أحد.
ليس المطلوب أن نعيش بوهم أن الغد سيكون أفضل؛ فذلك ليس مضمونًا. المطلوب ألا نحكم عليه قبل أن يأتي.
فالفأل لا يصنع المستقبل، لكنه يترك له مجالًا. وحسن الظن بالله لا يلغي قلق الإنسان، لكنه يمنعه من تحويل القلق إلى يقين. والأمل لا يضمن الوصول، لكنه يمنح الطريق غاية.
فلا نُطفئ الغد لأن الأمس كان ثقيلًا؛ فالمستقبل لم يحدث بعد، ولا ينبغي أن نعاقب ما لم يأتِ بما حدث.
إلى اللقاء.
كاتب رأي
