حضرموت والسعودية…

حضرموت والسعودية…
كيف يتحول «الطريق الثالث» من فكرة إلى مشروع؟
في المقال السابق طرحت سؤالاً: هل يمكن أن تتمتع حضرموت بحكم محلي واسع، وترتبط في الوقت نفسه بالمملكة العربية السعودية بعلاقة استراتيجية خاصة؟
الجواب لا يبدأ باختيار اسم لنموذج سياسي، ولا باستنساخ تجربة بورتوريكو أو غيرها. يبدأ بسؤال أبسط وأهم: ماذا يريد أهل حضرموت، وكيف تتحول إرادتهم إلى ترتيب واضح وقابل للتنفيذ؟
الخطوة الأولى هي حوار حضرمي واسع، تشارك فيه مختلف مناطق حضرموت ومكوناتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وغايته تحديد الصلاحيات التي يريد الحضارم إدارتها بأنفسهم، وفي مقدمتها الأمن المحلي والخدمات والتنمية والموارد. فلا يصح الحديث عن حكم حضرمي باسم الناس من دون تمثيل حقيقي لهم.
ثم تأتي دراسة الخيارات القانونية والسياسية. ما طبيعة العلاقة المقترحة مع المملكة؟ ومن الأطراف التي يلزم أن تتفاوض وتوافق عليها؟ وما الإجراءات المطلوبة لإقرارها والاعتراف بها؟ هذه أسئلة لا يجيب عنها الحماس للفكرة، بل دراسة متخصصة ومفاوضات واضحة.
أما جوهر أي اتفاق محتمل، فهو توزيع السلطة والموارد. ينبغي أن يحدد، بنصوص دقيقة، من يدير الموانئ، ومن ينظم استثمار النفط والمعادن، وكيف توزع الإيرادات، وما حدود مسؤولية حضرموت والمملكة في الأمن والدفاع والعلاقات الخارجية.
وتبقى الضمانات هي الاختبار الأصعب. فالحكم المحلي الواسع يفقد معناه إذا أمكن تقليصه بقرار منفرد. لذلك يحتاج أي ترتيب إلى مؤسسات حضرمية ذات صلاحيات محددة، وقواعد متفق عليها لتعديل الاتفاق، وآلية مستقلة للفصل في الخلافات.
هذا المسار يحتاج أيضاً إلى رؤية اقتصادية: كيف تنعكس العلاقة المقترحة على دخل المواطن الحضرمي، وفرص العمل، والطرق والموانئ والتعليم والصحة؟ فالناس ستحكم على المشروع بما يقدمه لحياتها، لا بما يحمله من عنوان سياسي.
إن «الطريق الثالث» الذي دعوت إلى بحثه ليس قراراً جاهزاً، بل مشروع دراسة وحوار: يبدأ بإرادة حضرمية حرة، ويمر بتحديد المصالح والاختصاصات، وينتهي ـ إن حظي بالقبول وتوافرت شروطه ـ باتفاق معلن تحميه ضمانات واضحة.
حضرموت تستحق أن تناقش مستقبلها خارج القوالب المعتادة. لكنها تستحق كذلك أن يكون أي مقترح لمستقبلها دقيقاً في طريق تنفيذه، واضحاً في حقوق أهلها، وصريحاً في التزاماته تجاه جميع الأطراف.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
26 سبتمبر 2026
