راديو غراف
ماركة الحضارم

ماركة الحضارم
فيصل الكثيري
لا أحب الحديث كثيرا عن الحضارم؛ لأننا، باختصار، ماركة. والماركة الجيدة لا تحتاج كل صباح إلى مؤتمر صحفي لتثبت أنها أصلية. أميل إلى أن يترك الإنسان أثره يتحدث عنه، وأن تترك الشعوب تاريخها خلفها من غير أن تقف عند كل زاوية تشرح للناس من تكون.
لكن كثرة ما أقرأه في الآونة الأخيرة دفعتني إلى فتح هذا الباب. حسابات في منصة ((إكس))، لا أعرف من يدير كثيرا منها ولا الغاية التي تحركها، تتعامل مع الحضرمي كأن المطلوب إعادة تركيبه عرقيا كل أسبوع. مرة يصبح إفريقيا، ومرة هنديا، ومرة خليطا جاء من وراء البحر، ثم تنتهي الحكاية إلى النتيجة نفسها: التشكيك في صلته بحضرموت أو التقليل من أثر الحضارم خارجها. الإفريقي ليس موضع انتقاص، والهندي ليس موضع انتقاص، وحاشا لله أن نجعل الشعوب درجات في القيمة الإنسانية. المشكلة تبدأ حين يتحول الانتساب إلى أفريقيا أو الهند، وهو أمر وارد في بعض الأنساب بحكم الهجرات القديمة، إلى وسيلة لنزع هوية شعب كامل، وكأن الجينات وثيقة ملكية للأرض، وكأن الشعوب عاشت آلاف السنين داخل أوعية مغلقة لا يسافر أحد منها ولا يتزوج من أحد.
وحضرموت بالذات مكان يصعب أن تطبق عليه هذه الفكرة. فهي تطل على بحر العرب والمحيط الهندي، أي على واحد من أقدم مسارات التجارة والهجرة في العالم. خرج الحضارم إلى الهند وشرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا، واستقروا وتاجروا وتزوجوا، وعاد بعضهم وبقي آخرون. لذلك من الطبيعي أن يحمل الحضرمي شيئا من تاريخ البحر، كما تحمل المدن الساحلية آثار من مروا بها. الهوية أوسع من نتيجة فحص جيني. قد يحمل الإنسان في جسده أثرا جاء من مكان بعيد قبل قرون، ويبقى منتميا تاريخيا وثقافيا واجتماعيا إلى الأرض التي صنعت ذاكرته ولغته وعاداته. ولو جعلنا الجينات وحدها حكما في هويات البشر، لاضطر جزء كبير من العالم إلى إعادة كتابة بطاقات هويته.
وسط هذا الجدل وقع أمامي مقال قديم للباحث محمود السيد الدغيم بعنوان ((بدايات الانتشار ومحطات الصراع))، مؤرخ في 17 أبريل 2004. يقول فيه إن معاوية بن أبي سفيان أرسل وفود الدعاة إلى ((مملكة ماجاباهيت الإندونيسية))، ثم يتحدث عن تتابع الوفود الإسلامية في العهود الأموية التالية. المعلومة هنا تحتاج إلى التوقف؛ لأن التاريخ أحيانا لا يحتاج إلى خصومة، يحتاج إلى آلة حاسبة فقط.
معاوية بن أبي سفيان توفي سنة 680م، في حين ظهرت مملكة ماجاباهيت في جاوة سنة 1293م، أي بعد ذلك بأكثر من ستة قرون، وفق التسلسل التاريخي المنشور لدى متحف المتروبوليتان. نحن أمام مشكلة زمنية واضحة. والأقرب أن الرواية وقع فيها خلط بين ماجاباهيت وكيان أقدم في الأرخبيل، أو أن اسم المملكة المتأخرة دخل على رواية تتحدث عن اتصال إسلامي أقدم. تصحيح اسم المملكة لا يقود إلى النتيجة المقابلة، أي القول إن المسلمين لم يصلوا إلى جنوب شرق آسيا في وقت مبكر. موسوعة أكسفورد لتاريخ آسيا تشير إلى أن التجار المسلمين كانوا يرتادون سواحل الأرخبيل الإندونيسي منذ القرن الثامن الميلادي على الأقل، في حين بدأت المجتمعات الإسلامية المحلية تترسخ بصورة أوضح قرب مطلع القرن الرابع عشر.
وهنا تظهر المسألة التي تهمني أكثر من خطأ اسم المملكة: هناك فرق بين وصول المسلم وانتشار الإسلام. قد تنزل سفينة تحمل تاجرا مسلما في ميناء، فيقيم شهورا أو أعواما ثم يغادر. وقد تنشأ جالية صغيرة من التجار المسلمين يظل أثرها قريبا من الساحل. ثم تمر أجيال قبل أن يبدأ الدين في الانتقال إلى السكان المحليين، وتظهر المساجد والمدارس والعلماء والمصاهرات والروابط الاجتماعية. الوصول حدث. أما الانتشار فعملية.
وهذه ليست صياغة لغوية لخدمة رواية حضرمية. الدراسات الحديثة نفسها تتعامل مع أسلمة جنوب شرق آسيا بوصفها عملية طويلة ومعقدة ومتعددة المصادر. توسع الإسلام هناك تشكل عبر مسارات تجارية وثقافية ربطت جنوب شرق آسيا بموانئ البحر الأحمر والخليج والهند وشرق أفريقيا وغيرها. شارك في ذلك عرب وهنود وملايو وجاويون وسومطريون وتجار وعلماء ودعاة وسكان محليون وحكام على امتداد قرون. وأين الحضارم من هذا كله؟ هنا لا نحتاج إلى اختراع رواية تقول إن أول قدم مسلمة وطئت جاوة كانت حضرمية. قيمة التجربة الحضرمية تظهر في شيء أكثر ثباتا: الشبكات. التاجر الذي يقيم، والعالم الذي يعلم، والأسرة التي تتزوج من المجتمع المحلي، والبيت الذي يصبح جزءا من المدينة، والعلاقة التي تستمر جيلا بعد جيل.
وهنا تبرز وثيقة تاريخية لافتة. في سنة 1886 نشر الباحث الهولندي لودفيك وليم كريستيان فان دن بيرغ كتابه بالفرنسية: Le Hadhramout et les colonies arabes dans l’archipel Indien، أي: ((حضرموت والجاليات العربية في الأرخبيل الهندي)). طبع الكتاب في باتافيا، جاكرتا اليوم، وتحفظ مكتبة الكونغرس الأمريكية نسخة رقمية كاملة منه، وتشير بياناتها إلى احتوائه على خريطة وجدول نسب. وفي فهرس الكتاب لوحة تحمل عنوانا فرنسيا ترجمته الأقرب: ((شجرة نسب العرب الذين أدخلوا الإسلام إلى جزيرة جاوة)).
هذه العبارة تستحق الانتباه. فهي موجودة في كتاب صدر سنة 1886، كتبه باحث هولندي في سياق دراسة حضرموت والجاليات العربية في الأرخبيل. معنى ذلك أن الربط بين الجماعات العربية، وفي سياق الكتاب الحضرمي على وجه الخصوص، وبين تاريخ انتشار الإسلام في جاوة لم يولد من سجال حديث على منصة إكس. الدقة هنا ضرورية أيضا. وجود هذه الشجرة لا يعني أن فان دن بيرغ أغلق ملف أسلمة جاوة إلى الأبد، ولا أن كل الباحثين بعده اتفقوا على رواية واحدة، ولا أن كل من ورد في تلك الشبكات كان حضرميا. قيمتها أنها شاهد على أن الدور العربي الحضرمي في المنطقة كان موضوعا تاريخيا قائما قبل أكثر من قرن.
الدراسات اللاحقة وسعت الصورة أكثر. بحوث المحيط الهندي تتحدث عن حضور حضرمي امتد قرونا في الهند وسنغافورة وإندونيسيا وشرق أفريقيا، وعن شبكات اقتصادية واجتماعية ودينية عبر البحر. كما تناولت دراسات أكاديمية متخصصة إسهام الجماعات الحضرمية في الدعوة والتعليم والتجارة والسياسة، وكيف تكيفت داخل المجتمعات المحلية حتى أصبح كثير من ذريتها جزءا من نسيج تلك المجتمعات.
وهنا يظهر سؤال صغير في شكله، كبير في معناه: إذا كان التجار المسلمون يصلون إلى سواحل الأرخبيل منذ القرن الثامن، فلماذا احتاج انتشار الإسلام بين المجتمعات المحلية إلى قرون؟ لأن الوصول أسهل من صناعة الأثر. السفينة تستطيع أن تحمل رجلا إلى الساحل، لكنها لا تمنحه مكانا في ذاكرة الناس. الأفكار تحتاج إلى الثقة، والمعاملة، واللغة، والمصاهرة، والتعليم، وطول الإقامة. تحتاج إلى أن يصبح القادم جزءا من المجتمع من غير أن يعزل نفسه عنه أو يحاول ابتلاعه.
وهذه إحدى المساحات التي تظهر فيها التجربة الحضرمية بوضوح. لم تكن الحكاية في المحيط الهندي قصة جيش يصل إلى الساحل، يفتح مدينة ثم يرسم حدودا جديدة. كانت في جانب كبير منها أكثر هدوءا: متجر، وبيت، وزواج، ومسجد، ودرس، ورحلة، ثم جيل يولد في المكان، يليه جيل آخر، حتى يصبح القادم القديم جزءا من نسيج المجتمع.
وهناك ملاحظة أراها تتكرر في التجربة الحضرمية، وأقولها بوصفها ملاحظة اجتماعية لا قاعدة عامة: الحضرمي، تاجرا كان أو سياسيا أو عالما أو مثقفا أو عاملا، يميل في حالات كثيرة إلى الابتعاد عن الأضواء. ينجح التاجر ولا يحول تجارته إلى مهرجان. يبلغ العالم مكانته ويواصل حياته كأن الأمر طبيعي. يترك الرجل أثرا في المكان ويمضي. لهذا يصعب أحيانا أن ترى الحضارم في التاريخ إذا كنت تبحث عنهم بالسيوف وحدها. التاريخ يرى أصحاب الضجيج بسرعة. أما الذين يعملون بهدوء فيحتاج العثور عليهم إلى شيء من الحفر.
وهذا أيضا ما يجعل النقاش حول الدور الحضرمي أكثر تعقيدا من سؤال: من وصل أولا؟ لو أثبتنا غدا أن أول مسلم وصل إلى جاوة كان في القرن السابع، أو الثامن، فما الذي يسقط من الدور الحضرمي؟ القليل جدا. الحديث عن الحضارم لا يقوم على أن أول قدم مسلمة وطئت الأرخبيل كانت حضرمية. الحديث عن الإسهام في نشر الإسلام وترسيخه وبناء شبكاته الاجتماعية والدينية والتجارية. وهذه مسألة مختلفة عن معرفة اسم أول مسلم نزل من سفينة على أحد موانئ الأرخبيل.
يمكن لرجل أن يصل إلى مدينة قبلك بمئة سنة، ثم تأتي أنت بعده فتبني فيها مدرسة تبقى مئتي عام. الأول سبقك إلى المكان، والثاني صنع أثرا من نوع آخر. لا يحتاج أحدهما إلى محو الآخر. التاريخ تراكم، وليس سباق مئة متر يحصل فيه الأول على الكأس ثم يعود الباقون إلى بيوتهم.
ومن هنا أيضا يصبح القول إن الحضارم وحدهم نشروا الإسلام في إندونيسيا قولا لا يخدم التاريخ ولا الحضارم. الإسلام هناك ثمرة عملية ضخمة امتدت قرونا، شارك فيها القادم والمحلي، التاجر والعالم، الحاكم والعامة، العربي والهندي والملايوي والجاوي وغيرهم. ومع مرور الزمن أصبح السكان المحليون أنفسهم علماء ودعاة وفقهاء وأصحاب مؤسسات حملت الإسلام داخل ثقافاتهم ومجتمعاتهم. الحضرمي لا يحتاج إلى إخراج الآخرين من الصورة كي يثبت وجوده فيها.
وربما هنا أفهم أكثر معنى ((ماركة الحضارم)). ليست الماركة اسما نطبعه على صندوق، ولا ادعاء بأننا صنعنا كل شيء مررنا به. قيمتها في نمط يتكرر: يخرج الحضرمي من واد بعيد، يحمل تجارته وعاداته ودينه، يعبر البحر، يعيش بين الناس، يتعلم لغتهم ويتعامل معهم، يتزوج منهم أحيانا، يصبح واحدا من المجتمع، ثم تمر أجيال وتكتشف أن الرجل الذي لم يكن يحب الأضواء ترك خلفه أثرا أكبر من صورته.
لهذا لا يشغلني كثيرا سؤال: من أول حضرمي وصل إلى إندونيسيا؟ السؤال الذي يغريني أكثر: ماذا فعل الحضارم حين وصلوا؟ هناك تبدأ قصة ((الماركة)).
وحين نقرأها بعيدا عن حماسة المدافع وشماتة المنكر، نجد حقيقة أجمل من المبالغة نفسها: الحضارم لم يكونوا القصة كلها، ولم يحتاجوا يوما إلى أن يكونوها. كانوا جزءا من قصة كبيرة، جزءا يمكن مناقشة حجمه، ودراسة مراحله، وتصحيح الروايات المتعلقة به، والاختلاف حول تفاصيله. أما حذفه تماما، فيترك في تاريخ المحيط الهندي فراغا لا تفسره الشواهد المتاحة.
