كُتاب الرأي
لا تقد كأنك مجهول

لا تقد كأنك مجهول
فيصل مرعي الكثيري
كتب الأستاذ محمد التونسي تغريدة اقترح فيها أن توضع على سيارات ودراجات التوصيل عبارة: ((كيف ترى قيادتي؟))، ومعها وسيلة للتواصل، حتى يعرف المندوب أن سلوكه في الطريق يمكن أن يصل إلى شركته. فكرة عملية في ظاهرها، وتفتح سؤالا أكبر منها: لماذا يبقى هذا النوع من المساءلة محصورا في سيارات التوصيل؟
فالطريق لا يميز بين مندوب يحمل طلبا وموظف يقود إلى عمله، وشاب يقود سيارته الخاصة، وصاحب سيارة فارهة، وسائق شاحنة أو حافلة. الخطر واحد حين يقتحم أحدهم مسارك، أو يلتصق بمؤخرة سيارتك، أو يغير اتجاهه فجأة، أو يستخدم هاتفه أثناء القيادة أو يتعامل مع الإشارة الحمراء كأنها اقتراح قابل للتفاوض. إذا كانت عبارة ((كيف ترى قيادتي؟)) قد تجعل مندوب التوصيل أكثر انتباها لسلوكه، فما الذي يجعل صاحب السيارة الخاصة أقل حاجة إلى هذا الشعور؟ ولماذا نفترض أن الحاجة إلى المساءلة ترتبط بنوع المركبة أو وظيفة صاحبها؟
كثير من المخالفات لا يحدث بسبب الجهل بالنظام. معظم السائقين يعرفون أن السرعة الخطرة مخالفة، وأن الالتصاق بالمركبة التي أمامهم تصرف متهور، وأن تغيير المسار بلا إشارة يعرض الآخرين للخطر. ثم يفعل بعضهم ما يعرف تماما أنه خطأ.
قد يكون الرجل مهذبا حين يمشي بجانبك يفسح لك عند الباب، وينتظر دوره في الطابور، ويعتذر إذا اصطدم بك من غير قصد. ثم يدخل سيارته، ويغلق الباب، ويشعر أن بينه وبين الآخرين حاجزا من الحديد والزجاج. يزاحمك بسيارته بطريقة ربما يستحي أن يزاحمك بها بجسده، ويقترب منك بسرعة إلى مسافة لا يقبل أن يقف مثلها خلفك في طابور قهوة. السيارة تمنح صاحبها شيئا من القوة والعزلة والمجهولية. هو لا يعرفك، وأنت لا تعرفه، وبعد لحظات قد يختفي في شارع آخر. وهذه المسافة القصيرة بين الفعل والاختفاء قد تصنع شعورا خطرا: أستطيع أن أفعل ثم أمضي.
وهنا تظهر قيمة اقتراح الأستاذ محمد. فعبارة ((كيف ترى قيادتي؟)) لا تراقب السائق وحدها، إنما تذكره بأن الطريق ليس مساحة بلا ذاكرة، وأن سلوكه قد يصل إلى جهة تستطيع مساءلته. ومن هنا يستحق الاقتراح أن يتجاوز سيارات التوصيل إلى فكرة أوسع: كيف نجعل السائق، أيا كانت مركبته، يشعر بأن السلوك الخطر يمكن أن يرصد ويُراجع ويُساءل عنه؟
لا يحتاج ذلك إلى طباعة العبارة خلف كل سيارة، ولا إلى تحويل مؤخرات المركبات إلى لوحات للإبلاغ. يمكن للجهات المختصة أن تطور آلية موحدة وآمنة لرصد السلوك الخطر والإبلاغ عنه، من غير أن تدفع الناس إلى مطاردة السيارات أو استخدام الهاتف أثناء القيادة. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يتحول البلاغ إلى حكم جاهز .. فالغضب في الطريق قد يصنع شكوى كيدية، ولهذا تحتاج أي آلية إلى تحقق واضح ومعايير تمنع العبث.
الفكرة في جوهرها أن دخول الإنسان إلى سيارته لا ينبغي أن يمنحه شعورا بأنه خرج من دائرة المسؤولية.
فالطريق يصبح أكثر أمانا حين يعرف كل سائق أنه يستطيع أن يمضي، لكن أثر قيادته قد لا يمضي معه.


