كُتاب الرأي
الحقيقة التي يعرفها الجميع

الحقيقة التي يعرفها الجميع
فيصل مرعي الكثيري
لي صديق من أبها، الأستاذ سعيد العسيري، كثيرا ما نتناقش في الشأن العام والثقافي، ونتبادل الأحاديث والأفكار. وأجمل ما في صداقتنا أننا نستطيع أن نختلف، ثم نكمل الحديث من النقطة نفسها في اليوم التالي، من غير أن يحتاج أحدنا إلى تغليف رأيه بورق المجاملة. بعث إلي سعيد ذات يوم بهذه العبارة، ثم سألني: كيف تراها؟
((حكمة اليوم تقول: لا تكتم قول الحق وسترى كيف سيكرهك الجميع)).
توقفت عندها. العبارة مريحة لقائلها أكثر مما تبدو. تقول ما تراه حقا، فيغضب الناس، فتبدو القضية محسومة: أنا قلت الحقيقة وهم لم يحتملوها. وهنا يفوتنا سؤال صغير قد يغير المشهد كله: ومن قال إن ما قلته كان حقا؟ الناس لا يكرهون الحقيقة دائما. أحيانا يحبونها كثيرا، بشرط أن تكون عن شخص آخر. حدث رجلا عن عيوب البشر وسيشاركك بحماسة، وربما أضاف عيوبا لم تخطر لك. اقترب قليلا من عيبه هو، وستلاحظ أن الحوار تغير. الفكرة نفسها التي كانت ممتعة حين كان موضوعها ((الناس)) تصبح ثقيلة حين يتغير الضمير من ((هم)) إلى ((أنت)). قل لرجل إن المجاملة الزائدة تفسد بيئة العمل، وسيوافقك. قل له إن ترقيته الأخيرة ربما كان للمجاملة نصيب فيها وسينتقل النقاش غالبا إلى نبرة صوتك وتوقيت كلامك ومقصدك. حدث أحدهم عن التعصب، وسيشرح لك أضراره طويلا. اقترب من تعصبه لرأيه أو جماعته أو قبيلته، وستكتشف أن للتعصب أسماء ألطف حين يكون تعصبنا نحن.
فهل نكره الحقيقة؟ أم نكره اللحظة التي تترك فيها الآخرين وتجلس معنا على الطاولة؟ نحن نحب كلمات مثل العدالة والصدق والإنصاف وهي معلقة في الهواء. حين تنزل إلى حياتنا يتغير وزنها. العدالة قد تطلب منك أن تقف مع شخص لا تحبه، والإنصاف قد يجعلك ترى صواب خصمك، والصدق قد يسحب منك عذرا أقمت معه سنوات حتى ألفته. وقد يعرف الإنسان الحقيقة قبل أن يسمعها من أحد. يعرف أن قرارا اتخذه كان خاطئا، ويستطيع أن يعيش مع هذه المعرفة زمنا. يؤجلها، ويفسرها ويعيد ترتيبها في رأسه، ثم يمضي إلى يومه. يأتي شخص ويقول له الشيء نفسه، فتتغير المسألة. الحقيقة هنا صار لها شاهد. ربما لهذا نغضب من جملة سبق أن قلناها لأنفسنا مرات كثيرة. حديثك الداخلي يجري في غرفة تملك مفتاحها، أما كلام الآخر فيضع الحقيقة أمامك خارج تلك الغرفة. عندها تظهر الكلفة. إذا اعترفت أن قرارك كان خاطئا، ماذا ستفعل بكل السنوات التي دافعت فيها عنه؟ وإذا اكتشفت أنك ظلمت شخصا في حكمك عليه، كيف ستعيد ترتيب القصة التي رويتها لنفسك ولغيرك؟ وإذا تبين أن جزءا من المشكلة التي تشكو منها يبدأ منك، ماذا ستفعل بالتفسيرات التي عشت عليها؟ بعض الأخطاء يعيش طويلا لأن الرجوع عنه مكلف. فالإنسان قد يبدأ بالدفاع عن رأي، ثم يجد نفسه بعد سنوات يدافع عن تاريخه معه، وعن صورته أمام الآخرين، وعن الصورة التي صنعها لنفسه واعتادها.
نرى ذلك في البيت. قد يعرف أفراد أسرة أن مشكلة قديمة تفسد علاقتهم، ويعرف كل واحد موضع الخلل، ثم تمر الأعوام وهم يتحركون حولها بحذر. بعد مدة يصبح الصمت جزءا من نظام البيت، كقطعة أثاث يعرف الجميع أنها في المكان الخطأ، ولا أحد يريد أن يبدأ بتحريكها. ويحدث شيء قريب من هذا في المؤسسات. قد يعرف الموظفون أن قرارا لا يعمل، ويعرف المسؤول بعض ذلك، ويعرف من حوله أنه يعرف، ثم تتوالى الاجتماعات والعروض وكأن المشكلة ما زالت تنتظر من يكتشفها. الجميع يعرف، والجميع يعرف أن الآخرين يعرفون. ثم يأتي شخص ويسأل السؤال المؤجل. وفجأة ينتقل الاهتمام من السؤال إلى صاحبه: لماذا قالها الآن؟ من طلب رأيه؟ لماذا اختار هذه النبرة؟ هل يريد إحراجي؟ هل بيننا شيء قديم؟ وقد تكون بعض هذه الأسئلة مشروعة، لكنها قد تؤدي وظيفة مريحة جدا: إبعاد السؤال الأبسط عن الطاولة. هل معه حق؟
وهنا توجد مشكلة أخرى تستحق الحذر: ليس كل من أغضب الناس صاحب حقيقة. قد يحمل أحدهم رأيه الشخصي ثم يسميه حقا، ويغضب لأن الآخرين لم يوافقوه. وقد يجرح إنسانا ثم يسمي جرحه صراحة. وقد يدخل في شأن لا يعرف تفاصيله ثم يمنح تدخله اسما مهذبا: النصيحة. لذلك يحتاج قول الحقيقة إلى سؤال يسبق الكلام: ما الذي أريده من هذا الكلام؟ قد أريد إصلاح شيء، أو إنصاف إنسان، أو تنبيه صديق. وقد أكون غاضبا، وأبحث لغضبي عن اسم أكثر احتراما. الصراحة ليست رخصة مفتوحة، والحقيقة لا تصبح أكثر صدقا لأن قائلها رفع صوته.
ومن غرائبنا أننا نمدح الصراحة في المجالس، ثم نكتشف حكمتنا الكاملة في استقبالها حين تتجه إلى المقعد المجاور. أما حين تصل إلينا، فنبدأ فجأة في اكتشاف أهمية التوقيت، والأسلوب، والظروف، والحالة النفسية.
بعد حديثي مع سعيد وجدت أن قول ما تراه حقا قد يجعلك أقل شعبية فعلا. قد تخسر مجاملة، أو مجلسا أو مصلحة، أو نوعا من الود يعيش ما دمت موافقا. وبعض الحقائق تزعج الناس حتى حين تقال بهدوء. غضب الناس منك لا يمنحك دليلا على صحة كلامك، ورضاهم عنك لا يكفي لإثبات خطئه.
المثير هو ما يحدث عندما تتبدل المقاعد. أن تقول لصديقك: أظنك مخطئا، أمر يحتمل قدرا معقولا من الشجاعة. أن تسمع منه الجملة نفسها، ثم تترك لها دقيقة داخل عقلك قبل أن تبدأ في الدفاع عن نفسك، فهذا امتحان مختلف.
نحن نسأل كثيرا: من يجرؤ على قول الحقيقة؟
وربما يستحق سؤال آخر أن يبقى معنا مدة أطول:
من يجرؤ على سماعها حين تكون عنه؟
