كُتاب الرأي

فن التهميش

فن التهميش

يكبر الإنسان وهو يتعلم فن الإضافة. يضيف إلى لغته كلمة، وإلى معارفه معلومة، وإلى تجاربه خبرة، حتى يظن أن العقل لا يزداد إلا بما يدخل إليه. لكن سؤالا ظل يراودني زمنا: من الذي علمنا أن إضافة شيء إلى العقل فضيلة، ولم يعلمنا أن إخراج شيء منه قد يكون فضيلة أخرى؟
تأمل رجلا خرج من بيته ليشتري خبزا. مر على متجر للأجهزة، ثم استوقفته واجهة، ثم أصغى إلى حديث بين شخصين، ثم دخل متجرا يسأل عن سلعة لا ينوي شراءها. عاد إلى منزله آخر النهار، فاكتشف أنه نسي الشيء الوحيد الذي خرج من أجله.
وهكذا تفعل عقول كثيرة. تبدأ رحلة البحث عن معلومة، ثم تنتهي وهي تحمل أخبارا لا تعنيها، ونقاشات لم تضف إليها شيئا، وكلمات قيلت في لحظة، فأقامت في داخلها زمنا طويلا. عندها أدركت أن العقل لا يحتاج إلى أبواب يدخل منها الجديد فحسب، فهو يحتاج أيضا إلى أبواب يخرج منها ما انتهى أثره.
في تلك اللحظة خطر لي أننا نتقن فن الإضافة، ونجهل فنا آخر لا يقل عنه أهمية. فالعقل لا يضيق لأن المعرفة كثيرة، فهو يضيق حين يحتفظ بكل ما يمر به. وبعد طول تأمل، لم أجد اسما أقرب إلى هذه المهارة من فن التهميش. اعتدنا أن نفهم التهميش على أنه إقصاء لإنسان، أو إهمال لفكرة، أو ضياع لحق. وهذه صورة يعرفها الجميع. أما الصورة الأخرى، فتبدأ حين يعرف الإنسان ما الذي يستحق أن يقيم في عقله، وما الذي انتهت مهمته، وحان وقت خروجه.
انظر إلى البستاني في أول الربيع. لا يترك الأغصان تنمو كيف شاءت، ولا يسقي كل ما خرج من الأرض. يزيل ما يستهلك الماء دون ثمرة، فتقوى الشجرة، ويصفو منظرها، ويكثر عطاؤها. والعقل يشبهها؛ فكل فكرة لا تستحق البقاء، تستقطع جزءا من نصيب فكرة أجمل.
وللتهميش موضع إذا تجاوزه، انقلب إلى ظلم. فالعقل يحسن حين يهمش السفاسف، ويسيء حين يهمش فكرة صادقة، أو صاحب كفاءة، لأن اسمه لا يلفت الانتباه. وفي تلك اللحظة يختل ميزان الإنصاف، فتضيع الحقيقة، ويضيع معها أصحابها. وأقسى صور التهميش تلك التي يمارسها الإنسان على نفسه. يؤجل موهبته، ويؤخر مشروعه، ويحبس فكرته خوفا من كلمة قيلت في لحظة، ثم يمضي يبحث عن الذين وقفوا في طريقه، وينسى أنه كان أول من أغلق الباب.
ويبقى سؤال أحب أن أتركه مع القارئ:
كم شيئا ما زلنا نمنحه مكانا في عقولنا، مع أن حياتنا كانت ستصبح أصفى لو أحسنا تهميشه؟

كاتب رأي 

فيصل مرعي الكثيري

أديب وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.