كُتاب الرأي

*إيران… عندما يختبر الردع نفسه .*

*إيران… عندما يختبر الردع نفسه .*

*رؤية تحليلية استراتيجية. *

بقلم اللواء البحري الركن المتقاعد /  عبدالله بن سعيد الغامدي
الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية

قد تكسب دولة معركة، لكنها قد تخسر العقيدة التي خاضتها بها. وقد تخسر منشآت، لكنها تكسب في المقابل دروسا تعيد تشكيل مستقبلها العسكري. وبين هذين الاحتمالين تقف إيران اليوم أمام واحدة من أهم لحظات المراجعة الاستراتيجية منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام ( 1979 ) . فالضربات الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة لا ينبغي أن تقرأ من زاوية حجم الدمار وحده، بل من زاوية السؤال الأهم: هل تعرضت المنشآت العسكرية والنووية للقصف فقط، أم أن مفهوم الردع الذي حكم التفكير العسكري الإيراني طوال العقود الماضية دخل مرحلة اختبار غير مسبوقة؟ .

وتكتسب هذه القراءة أهمية إضافية بعدما أعادت شركة Planet Labs الأمريكية إتاحة الوصول إلى أرشيف يضم أكثر من ربع مليون صورة أقمار صناعية عالية الدقة تغطي نحو 800 موقع داخل إيران، بعد رفع قيود كانت مفروضة على نشرها. كما استندت تحليلات دفاعية متخصصة، من بينها تقييمات مجلة Jane’s، إلى جزء من هذه الصور لتقدير حجم الأضرار التي لحقت بعدد من المنشآت النووية والعسكرية. غير أن قيمة هذه الصور لا تكمن في توثيق ما أصاب المنشآت فحسب، بل في أنها نقلت النقاش من دائرة التصريحات السياسية إلى دائرة الأدلة الفنية والتحليل العسكري.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين ما تشير إليه الصور، وما يمكن الجزم به. فصور الأقمار الصناعية تمثل مصدرا بالغ الأهمية، لكنها لا تقدم بالضرورة صورة كاملة عن جميع مكونات البرامج العسكرية أو النووية الحساسة، كما أن تقدير آثار الضربات يتطلب الجمع بين الأدلة البصرية، والمعلومات الاستخباراتية، والتحليل الفني، مع تجنب الاستنتاجات القطعية.

ومن الناحية العملية، لا يبدو أن السؤال الرئيسي يتمثل في قدرة إيران على إعادة بناء منشآتها، فهي تمتلك قاعدة صناعية وخبرات هندسية تمكنها، بدرجات متفاوتة، من إعادة تأهيل جانب مهم من تلك المنشآت، وإن اختلفت المدد الزمنية بحسب طبيعة كل موقع. أما السؤال الأعمق فهو: هل تستطيع إعادة بناء الثقة في منظومة الردع التي اعتمدت عليها؟ فالردع لا يقوم على الخرسانة وحدها، بل على اقتناع الخصم بأن منظومة القيادة والسيطرة والإتصالات والإستخبارات ، وسلاسل الإمداد، والقدرة على الاستمرار، ما زالت تعمل بكفاءة رغم الضربات.

ومن المرجح أن تدفع هذه التجربة القيادة الإيرانية إلى مراجعة أسلوب انتشار عناصر القوة العسكرية والنووية. فبدلا من الاعتماد على منشآت مركزية كبيرة، قد تتجه إلى توزيع القدرات على مواقع متعددة، وتعزيز التحصينات، وإعادة تنظيم القيادة والسيطرة، وتطوير إجراءات الخداع والتمويه. إلا أن هذا التحول، إذا حدث، سيزيد في الوقت نفسه من تعقيد الإدارة والتشغيل، ويرفع كلفة المحافظة على الجاهزية.

ولعل أهم ما كشفت عنه هذه الحرب أن مفهوم السرية العسكرية لم يعد كما كان. ففي الماضي، كان نجاح الدولة يقاس بقدرتها على إخفاء منشآتها، أما اليوم فأصبح يقاس بقدرتها على حماية منظومة متكاملة تشمل البيانات، والاتصالات ، و الإستخبارات ، وسلاسل الإمداد، والتشكيلات البشرية، والأنماط التشغيلية، لأن كل عنصر من هذه العناصر قد يقود إلى الآخر. وبهذا المعنى، لم تعد السرية موقعا جغرافيا، بل شبكة مترابطة من المعلومات، وأصبح الحفاظ عليها تحديا استراتيجيا لا يقل أهمية عن امتلاك القوة نفسها.

كما أن هذه الحرب لم تنتج خسائر مادية فقط، بل أنتجت معرفة استخباراتية لجميع الأطراف. فكل مواجهة كبرى تكشف أنماط القيادة والسيطرة والإتصالات ، وسرعة الاستجابة، وفاعلية الدفاعات، وحدود الخداع والتمويه، وهي معارف قد تؤثر في أي مواجهة مستقبلية بقدر تأثير الأسلحة المستخدمة فيها. ولهذا، فإن القيمة الاستخباراتية للحرب قد تمتد آثارها سنوات طويلة بعد توقف العمليات العسكرية.

لقد راهن النظام الإيراني، طوال عقود، على أن المشروع النووي، والصواريخ الباليستية، والطائرات المسيرة، وشبكات الوكلاء الإرهابيين والأنشطة الجاسوسية التخريبية ، ستوفر له مظلة ردع تضمن توسيع نفوذه الإقليمي وتعزز أمنه الاستراتيجي. إلا أن التطورات الأخيرة تطرح سؤالا مختلفا : هل أصبحت الأدوات التي صممت لتعزيز الردع أحد العوامل التي رفعت كلفة المواجهة على إيران، سياسيا واقتصاديا وعسكريا؟ فالاستراتيجية الناجحة لا تقاس بما تمنحه من نفوذ فحسب، بل أيضا بقدرتها على خفض كلفة الصراع وحماية المصالح الوطنية على المدى الطويل.

وفي المقابل، لا يعني تعرض بعض القدرات العسكرية للضرر تراجعا موازيا في مستوى التهديد. فالتاريخ العسكري يبين أن الدول التي تتعرض لضربات استراتيجية تميل إلى تغيير أدواتها أكثر من تغيير أهدافها. ولذلك، قد يزداد الاعتماد على القدرات السيبرانية، والطائرات المسيرة، والوسائل غير المباشرة، وشبكات الوكلاء الإرهابيين ، وهو ما يفرض على دول الخليج العربي مواصلة تطوير منظوماتها الدفاعية والاستخباراتية، وتعزيز التكامل الأمني، ومواكبة التحولات المتسارعة في بيئة الصراع الحديثة.

كما ستنعكس هذه المتغيرات على أي مفاوضات مستقبلية بين إيران والولايات المتحدة. فالنقاش لن يقتصر على نسب تخصيب اليورانيوم أو عدد أجهزة الطرد المركزي، بل سيمتد إلى هيكل البرنامج النووي، والبرنامج الصاروخي، وآليات الرقابة، ودور الحرس الثوري، والسياسات الإقليمية، باعتبارها ملفات أصبحت أكثر ترابطا من أي وقت مضى.

وفي تقديري، فإن الأثر الأعمق لهذه الحرب لن يقاس بعدد المنشآت التي أصيبت، بل بمدى ما ستفرضه من مراجعات على التفكير العسكري لدى جميع الأطراف. فإذا كانت إيران ستعيد بناء منشآتها، فإنها ستجد نفسها مضطرة أيضا إلى إعادة تقييم أساليب عملها، كما أن خصومها سيعيدون بدورهم تقييم وسائل الرصد والاستهداف والردع. وهكذا، تتحول الحرب من مواجهة عسكرية محدودة زمنيا إلى نقطة انعطاف في تطور الفكر العسكري.

لقد أشارت صور الأقمار الصناعية إلى جانب مهم من نتائج الضربات، لكنها لن تجيب وحدها عن السؤال الأهم: هل تغيرت طريقة التفكير التي قامت عليها منظومة الردع الإيرانية؟ فهذا سؤال ستجيب عنه السنوات المقبلة، لا الصور. وإذا كان ثمة درس إستراتيجي يمكن استخلاصه من هذه المواجهة، فهو أن الردع في القرن الحادي والعشرين لم يعد يقاس بما تمتلكه الدول من قوة فحسب، بل بقدرتها على حماية منظومة القوة بأكملها من الانكشاف، والتكيف مع بيئة أمنية تتطور بوتيرة غير مسبوقة.

هذا وبالله التوفيق والسداد.

كاتب رأي 

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.