كُتاب الرأي

*وهكذا العصا والجزرة (2)*

*وهكذا العصا والجزرة (2)*

*رؤية تحليلية*

*بعد أكثر من (100) يوم على اندلاع الحرب الراهنة، لم يعد السؤال الأهم يتعلق بحجم القوة المستخدمة أو عدد الضربات المتبادلة، بل بما إذا كانت الحرب قد نجحت في تغيير السلوك السياسي للطرف الذي رفض طوال الأشهر الماضية الاستجابة للمبادرات والانخراط الجاد في مسار تفاوضي مستقر.*

خلال هذه الأزمة لم يكتف النظام الإيراني بإدارة مواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بل وسع دائرة التوتر لتطال 【أمن الملاحة الدولية】 واستقرار الخليج العربي وأسواق الطاقة العالمية. كما امتدت تداعيات سياساته إلى دول محايدة لم تكن طرفا في الصراع، وتحولت المنطقة بأسرها إلى مساحة قلق مفتوح دفعت ثمنها الاقتصادات والأسواق وشركات الشحن والتأمين البحري وملايين البشر المرتبطين بحركة التجارة الدولية.

ولم تكن هذه النتائج وليدة ظرف مفاجئ أو تطور عابر، بل جاءت بعد سلسلة طويلة من القرارات والسياسات التي دفعت بالأزمة إلى مستويات غير مسبوقة من التصعيد، وأدخلت المنطقة في مرحلة من عدم اليقين كان بالإمكان تجنبها منذ وقت مبكر لو غلبت لغة التفاهم على رهانات المواجهة.

ولم تكن فرص التهدئة غائبة طوال هذه الفترة. فقد تعددت المبادرات السياسية وتكاثرت الوساطات الإقليمية والدولية، إلا أن الوسطاء وجدوا أنفسهم مرارا أمام حلقات متكررة من التأجيل وإعادة التفسير وطرح الشروط الجديدة كلما اقتربت المفاوضات من تحقيق تقدم حقيقي.

وكانت جمهورية باكستان الإسلامية الشقيقة من أبرز الأطراف التي بذلت جهودا مخلصة ومضنية في هذا المسار. فقد اضطلعت بدور الوسيط الهادئ والمسؤول، وأجرت اتصالات مكوكية واسعة، وسعت إلى تقريب وجهات النظر والحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة في أصعب الظروف. كما تحملت أعباء دبلوماسية وسياسية كبيرة في سبيل تجنيب المنطقة مزيدا من التصعيد، رغم ما واجهته من تعقيدات متكررة وتبدل في المواقف وصعوبة في الوصول إلى تفاهمات مستقرة. ومن الإنصاف القول إن 【الجهد الباكستاني】 كان أحد العوامل المهمة التي أبقت نافذة الحل السياسي مفتوحة حتى اللحظة التي أصبحت فيها الأطراف أكثر استعدادا للاستماع إلى لغة العقل.

*والجدير ذكره هنا أن ؛ ( المملكة العربية السعودية ) لعبت دورا ( رئيسيا و مركزيا ) مسؤولا ومتزنا طوال مراحل الأزمة، عبر دعم جهود التهدئة والحوار والحفاظ على استقرار المنطقة وأمن الممرات البحرية الدولية. وقد أثبتت الدبلوماسية السعودية مرة أخرى قدرتها على الجمع بين وضوح الموقف السياسي والسعي المتواصل نحو الحلول التي تحفظ الأمن والاستقرار الإقليميين.*

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن كثيرا من الأفكار المطروحة اليوم على طاولة التفاوض ليست جديدة في جوهرها. فبعضها كان مطروحا منذ المراحل الأولى للأزمة، غير أن النظام الإيراني اختار آنذاك طريق التصعيد بدلا من طريق التفاهم. وبعد أكثر من (100) يوم من المواجهة والخسائر والضغوط، عاد ليناقش العناوين نفسها ولكن من موقع سياسي مختلف تماما.

لكن شيئا واحدا تغير خلال الأسابيع الأخيرة.

فأدوات الردع التي ظهرت في بداية الأزمة بوصفها رسائل سياسية وعسكرية تحولت لاحقا إلى 【واقع عملياتي ضاغط】 فرض على النظام الإيراني إعادة حساباته الاستراتيجية، بعدما اتسعت الفجوة بين أهداف التصعيد المعلنة والنتائج التي تحققت فعليا على الأرض. وتراكمت الخسائر، واتسعت دائرة الاستنزاف، وبدأت كلفة الاستمرار في التصعيد تتجاوز بكثير المكاسب المتوقعة منه. وعند تلك النقطة تحديدا بدأ الخطاب الإيراني يتغير، وبدأت المواقف التي كانت توصف بالأمس بأنها مرفوضة أو غير قابلة للنقاش تعود إلى الطاولة تحت عناوين وصيغ مختلفة.

وهنا تكمن المفارقة السياسية الأبرز.

فالنظام الذي أمضى أشهرا طويلة في رفض كثير من المقترحات، والتشكيك في جدوى التفاوض، والتلويح بخيارات التصعيد، وجد نفسه في نهاية المطاف يناقش ورقة عمل تمهد لتفاهمات أوسع، ويتحدث عن وقف للحرب، وإعادة فتح مضيق هرمز، واستئناف المفاوضات، والبحث في ترتيبات قريبة من الأفكار التي ظل يرفضها طوال الفترة الماضية.

ولا يبدو هذا التحول نتيجة اكتشاف مفاجئ لفضائل الحوار، بقدر ما يبدو نتيجة مباشرة لتغير 【ميزان الكلفة والعائد】. فالدول قد تختلف في رؤيتها للمصالح، لكنها تتفق على حقيقة واحدة؛ وهي أن الحسابات الاستراتيجية تتبدل عندما تتبدل الوقائع على الأرض.

ولهذا تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى انتصار لمنطق الردع على منطق المراوغة. فالمفاوضات لم تبدأ عندما عرضت الحوافز السياسية وحدها، ولم تتقدم عندما طغت الشعارات والخطابات، وإنما بدأت تتحرك عندما أدرك الطرف الآخر أن كلفة المواجهة أصبحت أعلى من كلفة التفاهم، وأن هامش المناورة لم يعد كما كان في بداية الأزمة.

*ومن منظور أوسع، تكشف هذه الحرب درسا سياسيا مهما. فالأزمات لا تطول دائما بسبب غياب الحلول، بل قد تطول بسبب إصرار بعض الأطراف على تجاهلها. وعندما يحدث ذلك يصبح الطريق إلى التفاوض أطول وأكثر كلفة على الجميع.*

*أما اليوم، ومع تصاعد الحديث عن تفاهمات مرتقبة وإعادة فتح الممرات البحرية وعودة المسار التفاوضي، فإن السؤال لم يعد لماذا يجلس النظام الإيراني إلى الطاولة، بل لماذا استغرق الوصول إليها كل هذا الوقت رغم أن الطريق إليها كان واضحا منذ البداية.*

*والمفارقة الأوضح أن النظام الإيراني لم يصل إلى طاولة التفاوض بعد نجاح استراتيجية التصعيد، بل بعد أن اصطدمت تلك الاستراتيجية بحدودها العملية والسياسية. فبعد أشهر من التهديدات وتعطيل المبادرات وإرهاق الوسطاء وتوسيع دائرة التوتر، عاد في النهاية إلى مناقشة تفاهمات تشبه في جوهرها كثيرا ما كان مطروحا منذ بداية الأزمة، ولكن بعد أن دفعت المنطقة والعالم ثمنا أعلى بكثير مما كان ينبغي.*

*وهكذا لم تنته الأزمة عندما ظهرت فرص التفاهم، بل بدأت تنحسر عندما أدرك النظام الإيراني أن الاستمرار في رفض تلك الفرص أصبح أكثر كلفة من قبولها. وبين 【العصا التي فرضت الوقائع】 على الأرض، و【الجزرة التي أبقت باب الحل مفتوحا】، تشكلت معادلة جديدة أعادت الجميع إلى النقطة التي كان يمكن الوصول إليها منذ وقت طويل.*

*كما يؤكد هذا التطور أن الأزمات الكبرى لا تنتهي بالقوة وحدها ولا بالدبلوماسية وحدها، بل بتكامل الردع مع الحوار. فبينما أسهمت الضغوط العسكرية في تغيير الحسابات، واصلت الدبلوماسية الصبورة التي قادتها 【المملكة العربية السعودية وجمهورية باكستان الإسلامية】 العمل بصمت ومهنية حتى أصبح الوصول إلى التفاهم ممكنا بعد أن بدا بعيدا لوقت طويل.*

【*التاريخ لا يذكر عدد الفرص التي أُهدرت، بل يتذكر دائما كلفة إضاعتها*.】

كتبه:
اللواء البحري الركن م.
عبدالله بن سعيد الغامدي
الملحق العسكري السعودي السابق في باكستان
*السبت 13 يونيو 2026م*

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.