*ماذا ينتظر العالم؟ .*

*ماذا ينتظر العالم؟ .*
*قراءة تحليلية للكاتب.*
*الأحد الموافق ( 2 ) أغسطس 2026م*.
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية.
*منهجية القراءة.*
*تعتمد هذه الرؤية التحليلية على قراءة الوقائع والدلائل والمؤشرات السياسية والعسكرية والاستراتيجية المعلنة في مصادر الإعلام المفتوحة حتى سعت ( 1700 ) من يوم الأحد الموافق ( 2 ) أغسطس 2026م، واستشراف الاتجاهات المحتملة في ضوء المعطيات المتاحة، دون الجزم بمسار أي قرار سياسي أو عسكري مستقبلي، إذ يبقى القرار السياسي والمتغيرات الميدانية العاملين الحاسمين في تطور الأحداث.*
*الموقف العام.*
تمر الأزمات الدولية الكبرى بمحطات مفصلية تعيد تشكيل موازين القوى، وتختبر قدرة الدبلوماسية على احتواء الصراعات قبل تحولها إلى مواجهات واسعة. وما تشهده منطقة الشرق الأوسط اليوم يمثل إحدى أكثر هذه المحطات حساسية، لما يحمله من تداخل بين الاعتبارات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية، وما قد يترتب عليه من آثار تتجاوز حدود الإقليم لتطال أمن الطاقة، وحرية الملاحة، وسلاسل الإمداد، والاستقرار الاقتصادي العالمي.
وقد حملت الساعات الماضية تطورا مهما تمثل في إعلان الرئيس الأمريكي / دونالد ترامب تأجيل ضربة كانت قيد الإعداد ضد النظام الإيراني لإتاحة فرصة أمام المسار السياسي، مع الإبقاء على الجاهزية العسكرية. وفي المقابل نفت طهران هذه الرواية وأكدت استمرار رفع مستوى الاستعداد العسكري. وتدل هذه التطورات على أن الأزمة لم تغادر دائرة الخطر، بل انتقلت إلى مرحلة تتقدم فيها الدبلوماسية تحت مظلة الردع، مع بقاء الخيارات العسكرية قائمة إذا تعثر المسار السياسي.
*وفي هذا السياق برز الموقف السعودي بوضوح من خلال تأكيد صاحب السمو الملكي الأمير / محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء ، أهمية تغليب لغة الحوار، وبذل جميع الجهود الممكنة لخفض التصعيد، ومنع اتساع دائرة الصراع. ويعكس هذا الموقف نهجا سعوديا راسخا يقوم على حماية الأمن الوطني، وصون المصالح الحيوية، ودعم الاستقرار الإقليمي والدولي، والإيمان بأن السلام القائم على احترام سيادة الدول والقانون الدولي هو الطريق الأكثر استدامة لحماية المصالح المشتركة.*
ولا تنفصل هذه التطورات عن حقيقة استراتيجية مفادها أن الأزمات الكبرى لا تقاس بحجم التصريحات المتبادلة، وإنما بقدرة الأطراف على تحويل الردع إلى أداة لمنع الحرب، والدبلوماسية إلى وسيلة لاحتواء أسبابها. ومن ثم فإن القراءة الموضوعية تقتضي تحليل الوقائع المعلنة، وقياس اتجاهات القرار السياسي، ومراقبة المتغيرات الميدانية، بعيدا عن التهويل أو التقليل من حجم المخاطر.
*المؤشرات والدلائل.*
تكشف القراءة الاستراتيجية أن جذور الأزمة الراهنة لم تنشأ بفعل تطورات الأيام الأخيرة، وإنما تمثل امتدادا لتراكمات سياسية وأمنية وعسكرية استمرت سنوات، ارتبطت بالخلافات حول البرنامج النووي الإيراني، وبنشاط جماعات إرهابية مسلحة متحالفة مع طهران في عدد من ساحات المنطقة.
وتشير الوقائع والأحداث المعلنة، وما صدر عن حكومات متضررة، وبيانات أممية، وتقارير دولية، إلى أن استمرار هذه الأنشطة أسهم في تعقيد جهود التسوية السياسية، وإطالة أمد النزاعات، ورفع مستوى المخاطر التي تواجه أمن الملاحة الدولية، وإمدادات الطاقة، والاستقرار الإقليمي. كما انعكس ذلك على حركة التجارة الدولية، وأسواق الطاقة، وتكاليف النقل والتأمين، الأمر الذي جعل آثار الأزمة تتجاوز حدود المنطقة إلى الاقتصاد العالمي.
ومن منظور استراتيجي وقانوني، فإن حماية الممرات البحرية، وصون حرية الملاحة، واحترام سيادة الدول، تمثل مبادئ راسخة في ميثاق الأمم المتحدة واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وغيرها من القواعد الدولية ذات الصلة. وقد دعت الأمم المتحدة والمنظمة البحرية الدولية مرارا إلى خفض التصعيد، وحماية الملاحة الدولية، وتجنب أي أعمال قد تؤدي إلى توسيع دائرة الصراع أو تهديد التجارة العالمية.
كما تؤكد هذه المرجعيات الدولية أن معالجة الأزمات الإقليمية لا تقتصر على احتواء نتائجها العسكرية، بل تتطلب أيضا معالجة الأسباب التي تؤدي إلى استمرار التوتر، وتعزيز احترام القانون الدولي، وترسيخ مبدأ مساءلة كل من يثبت تورطه في انتهاك قواعده عبر الآليات القانونية المختصة .
*التقدير الاستراتيجي.*
بعد تحليل الوقائع والدلائل والمؤشرات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية المعلنة حتى تاريخ إعداد هذه الرؤية، يتبين أن التحدي الرئيس الذي يواجه الشرق الأوسط لم يعد يقتصر على احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة، بل يمتد إلى حماية النظام الإقليمي من آثار الصراعات الممتدة، وصون أمن الممرات البحرية، وضمان أمن الطاقة، والحيلولة دون استمرار الجماعات الإرهابية المسلحة الخارجة عن مؤسسات الدولة في تقويض الأمن والاستقرار الإقليمي.
وتؤكد المعطيات الحالية أن إعلان تأجيل الضربة الأمريكية لا يمثل انتهاء الأزمة بقدر ما يعكس منح الدبلوماسية فرصة جديدة للعمل تحت مظلة الردع. فاستمرار رفع مستويات الجاهزية العسكرية لدى مختلف الأطراف يدل على أن الخيار العسكري ما زال قائما إذا أخفقت الجهود السياسية في تحقيق تقدم ملموس.
كما تدل المؤشرات إلى أن أمن الطاقة وحرية الملاحة سيبقيان في صدارة أولويات المجتمع الدولي خلال المرحلة المقبلة، نظرا لما تمثله الممرات البحرية في الخليج العربي ومضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر من أهمية استراتيجية للاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية.
وتكشف الوقائع أن استمرار التوترات الإقليمية، وما ارتبط بها من تهديدات متكررة للملاحة الدولية والمنشآت المدنية ومنشآت الطاقة، فرض على المجتمع الدولي تكاليف سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة. كما أن إطالة أمد الصراعات بفعل استمرار نشاط الجماعات الإرهابية المسلحة في عدد من ساحات المنطقة أضعف فرص التسويات السياسية، وأبقى ملايين المدنيين رهائن لعدم الاستقرار، وهو ما يتعارض مع المبادئ التي أكدتها الأمم المتحدة والقانون الدولي في حماية السلم والأمن الدوليين.
*وفي هذا الإطار تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها دولة محورية تجمع بين قوة الردع وحكمة القرار السياسي . فقد أكدت مواقفها المعلنة أن حماية الأمن الوطني لا تتعارض مع دعم جهود السلام، بل إن الدبلوماسية الهادئة والجاهزية العسكرية يمثلان ركيزتين متكاملتين لتحقيق الاستقرار، وصون المصالح الوطنية، وتعزيز أمن الخليج العربي والبحر الأحمر ، ودعم الأمن والسلم الدوليين.*
ومن هنا فإن أي معالجة مستدامة للأزمة لن تكون فاعلة ما لم تعالج أسباب التوتر، وتلتزم جميع الأطراف بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، والقانون الدولي، واحترام سيادة الدول، وحماية الملاحة الدولية، وضمان أمن الطاقة، وتجفيف مصادر دعم الجماعات الإرهابية المسلحة الخارجة عن مؤسسات الدولة، ومساءلة كل من يثبت تورطه في انتهاك قواعد القانون الدولي وفقا للآليات القانونية المختصة.
*السيناريوهات المحتملة.*
*السيناريو الأول وهو الأكثر ترجيحا.*
استمرار التفاوض تحت الضغط مع بقاء الجاهزية العسكرية مرتفعة، وإتاحة مساحة زمنية محدودة للمسار السياسي، أملا في التوصل إلى تفاهمات تخفض احتمالات المواجهة المباشرة، وتحافظ على أمن الملاحة، وتحد من انعكاسات الأزمة على الاقتصاد العالمي.
*السيناريو الثاني.*
تعثر المسار السياسي، وعودة الضربات العسكرية المحدودة والمتبادلة ضد أهداف مختارة، مع استمرار الجهود الدبلوماسية الرامية إلى احتواء الأزمة، ومنع تحولها إلى حرب إقليمية واسعة.
*السيناريو الثالث وهو الأخطر.*
اتساع نطاق المواجهة بما يهدد أمن الممرات البحرية ومنشآت الطاقة، ويؤدي إلى اضطراب واسع في حركة التجارة الدولية، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتقلبات كبيرة في أسواق الطاقة، وتداعيات اقتصادية تتجاوز حدود المنطقة إلى الاقتصاد العالمي.
*الخلاصة الاستراتيجية.*
تدل مجمل الوقائع والدلائل والمؤشرات المعلنة حتى لحظة إعداد هذه الرؤية على أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة مفصلية تتداخل فيها فرص التهدئة مع احتمالات التصعيد، وأن نجاح الجهود السياسية يعتمد على قدرة الأطراف على تغليب المصالح المشتركة، واحترام قواعد القانون الدولي، وصون سيادة الدول، وحماية أمن الممرات البحرية، وإمدادات الطاقة.
كما تؤكد المعطيات أن استمرار الممارسات التي تؤدي إلى إطالة أمد الصراعات، أو تهديد الملاحة الدولية، أو تقويض مؤسسات الدول من خلال جماعات إرهابية مسلحة خارج الأطر الشرعية، سيبقي المنطقة عرضة لدورات متكررة من التوتر، ويضاعف كلفتها السياسية والأمنية والاقتصادية على الإقليم والعالم. كما أن أي تسوية سياسية قابلة للاستمرار لا بد أن تقوم على احترام سيادة الدول، وصون أمن الممرات البحرية، والالتزام الصارم بالقانون الدولي، ومعالجة مسببات التوتر بما يحقق الأمن الجماعي ويعيد الثقة إلى النظام الدولي.
*وفي المقابل، تواصل المملكة العربية السعودية ترسيخ نهجها القائم على الحكمة السياسية، والدبلوماسية الهادئة، والجاهزية الرادعة، والعمل مع المجتمع الدولي من أجل خفض التصعيد، ودعم الاستقرار الإقليمي والدولي، مع احتفاظها بحقها المشروع في حماية أمنها الوطني ومصالحها الحيوية وفقا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.*
وقد علمت تجارب التاريخ أن السلام لا تصنعه الرغبات وحدها، ولا تفرضه القوة وحدها، بل تصنعه الحكمة حين تستند إلى قوة مسؤولة، ويصونه العدل حين يحكم العلاقات بين الدول، وتدعمه الإرادة الصادقة التي تقدم أمن الشعوب واستقرارها على منطق الصراع الدائم. ومن هنا يبقى احترام القانون الدولي، وصيانة سيادة الدول، وحماية الملاحة الدولية، وتجنيب المدنيين ويلات الحروب، مسؤولية جماعية لا تحتمل الانتقائية ولا ازدواجية المعايير، لأنها تمثل الركيزة الأساسية لأمن الشرق الأوسط، واستقرار الاقتصاد العالمي، ومستقبل الأجيال القادمة .
كاتب رأي
