كُتاب الرأي

شدوا الوثاق

شدوا الوثاق 

رؤية تحليلية .

الخميس الموافق ( 17 ) سبتمبر ( 2026 )م .

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

عندما تستعيد القوات المسلحة المبادأة وتتماسك الجبهة الداخلية؛ تتكامل السيطرة على ( الأرض الحاكمة والقاهرة ) مع النيران والإمداد في منظومة عملياتية تحد من حرية حركة الخصم ومناورته .

تكشف قراءة ما نشر في المصادر الإعلامية المفتوحة السعودية واليمنية والدولية عن تطورات ميدانية جديدة تستحق القراءة العسكرية الدقيقة. ففي غرب تعز، شهدت الوازعية وجبل حبشي معارك عنيفة، ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن مصدر عسكري حكومي أن القوات الحكومية صدت هجمات وأجبرت الميليشيا الحوثية المسلحة على تراجع موضعي في الجبهتين، بالتزامن مع ضربات جوية وضربات بالطائرات المسيّرة استهدفت تجمعات وآليات ومواقع حوثية.

تكتيكيا؛ تعني هذه التطورات أن القتال في غرب تعز لم يعد مجرد تثبيت لخطوط الدفاع؛ فصد الهجمات والمحافظة على المواقع والضغط على القوات المهاجمة يؤثر في حرية حركتها وقدرتها على تثبيت مكاسبها. وتزداد أهمية ( الأرض الحاكمة والقاهرة ) في جبل حبشي والوازعية وكهبوب، لأنها تمنح من يسيطر عليها قدرة أفضل على المراقبة والسيطرة بالنيران والتأثير في طرق الاقتراب وخطوط الحركة.

عملياتيا؛ تبرز كهبوب بوصفها موقعا عملياتيا مهما في الاتجاه المؤدي إلى باب المندب. وقد أعلنت قوات درع الوطن إسقاط مسيّرة حوثية في أجواء الجبهة، فيما أعلنت قوات العمالقة استمرار الاشتباكات واستهداف آليات ومواقع للمجاميع الحوثية المسلحة. وبذلك تتضح بصورة أكبر الصلة العملياتية بين ( غرب تعز ـ الوازعية ـ كهبوب ـ باب المندب ).

ويبرز هنا الإسناد الجوي والطائرات المسيّرة بوصفهما عنصرين مهمين في دعم العمليات البرية واستهداف التجمعات والآليات والتعزيزات. وعندما يقترن الضغط البري بالنيران والإسناد الجوي والسيطرة على المواقع الحاكمة، يفرض ذلك على التشكيلات الحوثية المسلحة متطلبات متزايدة لتوزيع قواتها واحتياطياتها وحماية خطوط الإمداد والاتصالات.

استراتيجيا؛ لا تكفي هذه التطورات للقول إن ( الهجوم المضاد الشامل ) قد بدأ، كما لا يوجد حتى الآن ما يثبت استعادة المخا أو ميون. لكنها تكشف عن ملامح اتجاه عملياتي يتزايد ضغطه من غرب تعز نحو باب المندب. وإذا أعقب التراجع الحوثي الموضعي تقدم بري مثبت ومستمر باتجاه الساحل، فإن الموقف سيكون أقرب إلى الانتقال من صد الهجمات إلى تطوير هجوم مضاد.

وهنا تظهر المفارقة العسكرية؛ فليس كل اتساع في الأرض اتساعا في القوة، وقد يبدأ الانحسار من اللحظة التي تصبح فيها كلفة الاحتفاظ بالمكسب أعلى من القدرة على إدامته.

أما جبهة الوعي والإدراك؛ فتبقى جزءا من المعركة. فالمقاطع المجتزأة أو المعاد تدويرها والإشاعة و( الدعاية السوداء والرمادية ) قد تصنع صورة ميدانية تختلف عن الواقع. ولذلك تبقى الحقيقة الموثقة أساس المحافظة على مناعة الجبهة الداخلية؛ فالمعنويات العالية لا تحتاج إلى خبر كاذب.

والاستنتاج؛ أن التطور الأهم اليوم ليس إعلان بدء هجوم مضاد شامل، بل ظهور ترابط عملياتي أوضح بين جبهات غرب تعز وكهبوب وباب المندب. وتطور الموقف بعد الوازعية وجبل حبشي هو الذي سيحدد إن كان الضغط الحالي سيظل دفاعا نشطا وعمليات موضعية، أم سيتطور إلى حركة أوسع باتجاه الساحل.

ومن هنا تتضح دلالة شدوا الوثاق؛ فتماسك الجبهة الداخلية، وترابط المجتمع والقبائل ومؤسسات الدولة والقوات المسلحة، ومواجهة الإشاعة بالحقيقة الموثقة، عناصر تؤثر في قدرة أي دولة على إدامة عملياتها في النزاعات الممتدة.

شدوا الوثاق؛ فالشجاعة ثبات عند الشدة، والإرادة قوة عندما تضيق الخيارات؛ والشعوب التي تعرف حقها وتتماسك صفوفها قد تتعثر في الطريق، لكنها تظل قادرة على تغيير ما ظنه خصومها قدرا محتوما .

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.