كُتاب الرأي

﴿ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓ ﴾ .

﴿ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓ ﴾ .

رؤية تحليلية .

الأربعاء الموافق ( 16 ) سبتمبر ( 2026 )م .

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

( قد تتغير خرائط الميدان تحت ضغط المباغتة لكن الحروب لا تحسمها لحظة تقدم عابرة وإنما إرادة الشعوب وقدرة الدول على تحويل الصدمة إلى قوة والعمل إلى نتيجة . )

تدخل المواجهة في اليمن مرحلة أكثر حساسية بعد اتساع عمليات عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة على الساحل الغربي وباب المندب بالتزامن مع تصاعد اعتداءاتها باتجاه المملكة العربية السعودية وصولا إلى اعتراض قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي طائرة مسيرة معادية قبل دخولها المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة مكة .

لكن الساعات الأخيرة تحمل مؤشرات ميدانية تستحق الانتباه؛ إذ بدأت القوات الحكومية اليمنية تكثف تحركاتها في أكثر من جبهة بالتزامن مع استمرار الضربات على مواقع الحوثيين في الساحل وتعز ومأرب والجوف . ولا يكفي ذلك بعد للجزم ببدء هجوم مضاد شامل لكنه يدل على أن الميدان ( لم يستقر على الخريطة التي صنعتها المباغتة الحوثية ) .

أولا؛ عندما يصبح التمدد عبئا .

التقدم الذي حققته الميليشيا الحوثية الإرهابية على الساحل الغربي يمثل تغيرا ميدانيا مهما لكنه لا يعني حسم الحرب . فالسيطرة على الأرض شيء والقدرة على الاحتفاظ بها شيء آخر؛ وكل مساحة جديدة تحتاج قوات وحماية وإمدادا واحتياطيات وقدرة مستمرة على مواجهة الضغط المضاد .

وهنا قد يتحول الاتساع نفسه من مكسب إلى عبء إذا اضطرت الجماعة إلى الدفاع في الساحل وتعز ومأرب والجوف في وقت واحد . وقد تبدو الخريطة لمصلحة الطرف المتقدم بينما تبدأ تحتها عوامل استنزاف لا تظهر نتائجها سريعا .

ثانيا؛ مؤشرات التحول في الميدان .

المواقف المعلنة لمجلس الدفاع الوطني اليمني تؤكد أن المواجهة لن تقتصر على جبهة واحدة فيما تتحدث التقارير الميدانية لمصادر إعلامية مفتوحة عن تحركات للقوات الحكومية في مأرب والجوف وتعز وضغط متزايد على مواقع الحوثيين .

والأهمية هنا ليست في استعادة موقع منفرد وإنما في احتمال تشكل ( ضغط متزامن على عدة اتجاهات ) يجبر الحوثيين على توزيع قوتهم ويضع قدرتهم على تثبيت مكاسب الساحل أمام اختبار حقيقي .

وإذا تطورت هذه المؤشرات إلى عمليات برية واسعة ومستمرة باتجاه الساحل فإن المعركة قد تنتقل من مرحلة استيعاب الصدمة إلى ( مرحلة استعادة المبادرة )، وهو تحول يحتاج إلى تأكيد ميداني قبل الجزم به .

وفي قلب هذه المرحلة يقف الشعب اليمني الشقيق والقوات المسلحة اليمنية الباسلة أمام مسؤولية وطنية كبيرة؛ فالدولة لا تستعيد حضورها بالأمنيات وإنما بالإرادة وتماسك مؤسساتها وقدرتها على تحويل الشرعية إلى فعل على الأرض .

ثالثا؛ باب المندب أكبر من حدود اليمن .

أصبح الساحل الغربي جزءا مباشرا من معادلة أمن البحر الأحمر . فباب المندب ممر دولي تتصل سلامته بأمن الطاقة والتجارة العالمية وتزداد أهميته مع الضغوط التي تواجه الملاحة في مضيق هرمز .

ومن هنا فإن استعادة الدولة اليمنية لسيادتها على سواحلها وموانئها وجزرها ليست قضية يمنية فحسب بل مساهمة مباشرة في حماية أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي .

رابعا؛ مكة وبيت الله الحرام خط أحمر .

اعتراض المسيّرة الحوثية قبل دخولها المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة مكة يضع التصعيد أمام مستوى آخر من الخطورة . فـ( أمن مكة وبيت الله الحرام والحرمين الشريفين خط أحمر ) وحماية المملكة ومواطنيها ومقيميها وضيوف الرحمن مسؤولية سيادية لا مساومة عليها .

وتقف المملكة بقوتها الوطنية وتحالفاتها وشراكاتها الاستراتيجية أمام هذه التهديدات؛ ( فالتحالفات تضاعف القوة والقوة الوطنية تمنح التحالف ثقله وقيمته ) .

الخلاصة الاستراتيجية .

المشهد لم يعد معركة على مدينة أو ساحل فقط . الحوثيون يحاولون تثبيت ما حققوه بينما تظهر في المقابل مؤشرات على تحرك القوات الحكومية في عدة جبهات، ولذلك قد تكون الأيام القادمة اختبارا لقدرة كل طرف على المحافظة على المبادرة .

( فالخريطة التي ترسمها المباغتة قد تعيد الإرادة والعمل العسكري المنظم رسم ملامحها من جديد . )

﴿ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ .

سورة الحج . الآية الكريمة رقم ( 40 ) .

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.