كُتاب الرأي

الخنق الاقتصادي ماذا بقي للنظام الإيراني ؟

الخنق الاقتصادي ماذا بقي للنظام الإيراني ؟

رؤية تحليلية .

الجمعة الموافق ( 4 ) سبتمبر ( 2026 )م .

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

{ قبل نحو نصف قرن كان الدولار يساوي قرابة ( 70 ) ريالا إيرانيا واليوم تجاوز ( 2.2 ) مليون ريال وبين الرقمين قصة نظام استنزف اقتصاد دولة غنية حتى أصبح تدهور عملتها أحد أكثر الشواهد وضوحا على كلفة سياساته . }

بلغ متوسط سعر صرف الدولار في عام ( 1978 ) نحو ( 70.5 ) ريالا إيرانيا وكان ذلك في أواخر عهد الشاه وقبيل قيام الثورة الإيرانية بعام واحد . واليوم يحتاج الإيراني إلى أكثر من ( 2.2 ) مليون ريال للحصول على الدولار الواحد في السوق الحرة . وبين الرقمين نحو ( 48 ) عاما من التحولات والحروب والعقوبات والعزلة وسياسات النظام الإيراني التي حملت اقتصاد بلاده أثمانا باهظة .

هذه المقارنة لا تعني أن القوة الشرائية للعملة انخفضت بالنسبة الاسمية نفسها فالمقارنة الاقتصادية عبر نحو نصف قرن تخضع للتضخم وتغير الأسعار وبنية الاقتصاد . لكنها تظل مؤشرا تاريخيا شديد الدلالة على المسافة التي قطعتها العملة الإيرانية في الاتجاه المعاكس وعلى عمق الأزمة التي وصلت إليها البلاد .

المشكلة اليوم أكبر من سعر صرف يتراجع . فالخنق الاقتصادي الذي يتعرض له النظام الإيراني بدأ يقترب من مصادر قدرته على الحركة وليس فقط من مستوى معيشة المواطن الإيراني الذي تحمل طوال عقود نتائج خيارات لم يكن مسؤولا عنها .

1. النفط … شريان يضيق .

كان النفط دائما أحد أهم مصادر العملة الأجنبية للنظام الإيراني وأحد أهم أدوات تمويل الدولة ومؤسساتها وقدراتها العسكرية وشبكات نفوذها الخارجي . لكن الصورة تغيرت بصورة حادة خلال الأشهر الأخيرة .

وتدل المؤشرات المنشورة على أن تحميلات النفط الخام الإيراني تراجعت إلى قرابة ( 260 ) ألف برميل يوميا بعد أن كانت في حدود ( 1.7 ) مليون برميل يوميا قبل عام . وهذا ليس تراجعا عاديا في الصادرات بل انخفاض شديد في أحد أهم مصادر تدفق النقد الأجنبي إلى البلاد .

ولم تعد المشكلة في بيع النفط فقط بل في كيفية تحصيل قيمته ونقل الأموال وتمويل الواردات والوصول إلى المؤسسات المالية الدولية . فالضغط الأمريكي الأخير انتقل من ملاحقة النفط والسفن إلى ملاحقة الوسطاء وشركات الواجهة والقنوات المالية والمصارف التي يمكن أن تمنح النظام منفذا إلى الدولار والنظام المالي العالمي .

وهنا يصبح الخنق أكثر تأثيرا لأن الاقتصاد يستطيع أحيانا التعايش مع العقوبات لكنه يواجه صعوبة أكبر عندما تتقلص في الوقت نفسه القدرة على البيع والتحصيل والتحويل والاستيراد .

2. الريال … شاهد على الأزمة .

العملة ليست مجرد ورقة نقدية وإنما انعكاس لثقة الناس بالاقتصاد وقدرة الدولة على إدارة مواردها وتوقعات السوق للمستقبل .

قبل عام واحد كان الدولار يدور حول ( 1 ) مليون ريال إيراني أما اليوم فقد تجاوز ( 2.2 ) مليون ريال . وفي الوقت نفسه يقترب التضخم من ( 70٪ ) بينما تشير تقديرات اقتصادية دولية إلى انكماش الناتج الحقيقي الإيراني خلال عام ( 2026 ) بنحو ( 5.4٪ ) .

وهذه المعادلة قاسية على أي اقتصاد؛ عملة تتراجع وأسعار ترتفع وإيرادات نفطية تنكمش وتجارة خارجية تتقلص وكلفة حرب وإعادة إعمار منشآت وبنية تحتية تضاف إلى التزامات الدولة الداخلية .

والمواطن الإيراني هو أول من يدفع الثمن . وهنا يجب الفصل بوضوح بين الشعب الإيراني وبين النظام الذي حكم البلاد منذ عام ( 1979 ) وسياساته التي أدخلت إيران في مواجهات متتابعة وأنفقت موارد ضخمة على برامج التسلح وبناء النفوذ الخارجي ودعم أذرعه والجماعات الإرهابية المسلحة المرتبطة به في المنطقة بدلا من توجيه جانب أكبر من تلك الموارد إلى تنمية اقتصاد يملك أساسا إمكانات هائلة من النفط والغاز والثروة البشرية والموقع الجغرافي .

{ فالشعب الإيراني المغلوب على أمره ليس مسؤولا عن هذه السياسات بل هو أحد أكبر من يدفع أثمانها . }

ولا تقف مسؤولية النظام الإيراني عند حدود الاقتصاد الداخلي . فقد امتدت آثار سياساته إلى أمن الخليج العربي والممرات البحرية والتجارة الدولية في وقت أصبحت فيه الملاحة في مضيق هرمز جزءا من الصراع نفسه . كما أن الدعم الذي قدمه النظام الإيراني عبر سنوات لأذرعه والجماعات الإرهابية المسلحة المرتبطة به وفي مقدمتها جماعة الحوثي الإرهابية المسلحة أسهم في بناء قدرات هددت السفن والملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن .

وتكشف هذه الصورة عن معادلة يصعب فصل أطرافها؛ نظام يمتلك دولة غنية بالنفط والغاز وينفق على التسلح والنفوذ والأذرع الخارجية ثم يجد شعبه أمام عملة شديدة التدهور وتضخم مرتفع وضغوط معيشية متزايدة بينما تمتد نتائج سياساته خارج حدوده لتصيب أمن المنطقة والملاحة والتجارة الدولية .

ومن هنا فإن تحميل العقوبات والحصار وحدهما مسؤولية الأزمة الاقتصادية الإيرانية الراهنة يقدم نصف الصورة فقط . فالضغط الخارجي شديد ومؤثر بلا شك لكن النظام الإيراني يتحمل أيضا مسؤولية خيارات سياسية وعسكرية واقتصادية تراكمت منذ عام ( 1979 ) وأسهمت في الوصول إلى البيئة التي جعلت إيران اليوم تواجه هذا المستوى من العزلة والاستنزاف والضغط .

{ النظام اختار سياساته والشعب الإيراني يدفع جزءا كبيرا من أثمانها والمنطقة تحملت جانبا من تداعياتها . }

3. ماذا بقي للنظام الإيراني ؟

رغم شدة الضغط فإن القول إن الاقتصاد الإيراني انتهى سيكون مبالغة لا تسندها الوقائع المنشورة حتى الآن . فإيران دولة كبيرة تمتلك موارد طبيعية وسوقا داخلية واسعة وخبرة طويلة في الالتفاف على العقوبات كما لا تزال لديها احتياطيات وأصول ونفط مخزن وعلاقات تجارية وقنوات غير دولارية تستطيع من خلالها شراء بعض الوقت .

وقد أعلن محافظ البنك المركزي الإيراني أخيرا أن لدى بلاده احتياطيات كافية من العملات الأجنبية وأن البنك مستعد لضخ ما يصل إلى ( 2 ) مليار دولار للسيطرة على تقلبات سوق الصرف . وهذه رواية النظام نفسه وينبغي قراءتها باعتبارها جزءا من محاولته طمأنة الداخل والأسواق . لكن استمرار قدرة طهران على التدخل في سوق الصرف يدل على أن بعض الهوامش المالية لم تستنفد بعد .

لكن السؤال ليس هل تستطيع إيران الصمود أسبوعا أو شهرا أو عدة أشهر بل كم تستطيع هذه الأدوات أن تعمل إذا استمر استنزاف الاحتياطيات وتراجع النفط وارتفعت تكلفة الالتفاف على العقوبات واستمر التضخم وانخفضت قيمة العملة .

{ الصمود الاقتصادي لا يقاس بحجم ما تملكه الدولة فقط بل بسرعة ما تفقده وقدرتها على تعويضه . }

4. الضغط الاقتصادي والخيار العسكري .

هنا تبرز أخطر زوايا المشهد . فكلما ضاقت الخيارات الاقتصادية أمام النظام الإيراني قد يصبح السلوك السياسي والعسكري أكثر صعوبة في التنبؤ به .

والخنق الاقتصادي لا يؤدي بالضرورة إلى التراجع السريع . فقد يدفع إلى التفاوض وقد يدفع إلى محاولة كسر الحصار وقد يدفع النظام إلى التصعيد ورفع كلفة الضغط على خصومه أو استخدام ما تبقى لديه من أوراق إقليمية وبحرية وعسكرية .

ولهذا فإن قراءة الاقتصاد الإيراني لا تنفصل اليوم عن قراءة الميدان . فالضغط المالي والنفطي قد يصبح جزءا من الحرب بوسائل أخرى وقد تكون نتائجه أبطأ من الصاروخ لكنها ربما تكون أعمق أثرا إذا استمرت قنوات الدخل في الانكماش .

الخلاصة الاستراتيجية .

من نحو ( 70.5 ) ريالا للدولار في عام ( 1978 ) إلى أكثر من ( 2.2 ) مليون ريال اليوم مسافة اقتصادية هائلة لا تختصرها العقوبات وحدها ولا الحرب وحدها . إنها حصيلة تراكم طويل من الخيارات والسياسات والصدامات التي يتحمل النظام الإيراني مسؤولية كبيرة عنها .

ومع ذلك فإن النظام لم يصل بعد إلى النقطة التي يمكن عندها الجزم بانهيار اقتصاده أو انتهاء قدرته على الصمود . لكنه يواجه اليوم معادلة أشد صعوبة من مراحل كثيرة سابقة؛

{ نفط أقل وعملة أضعف وتضخم مرتفع وقنوات مالية تضيق وكلفة حرب مستمرة . }

والخلاصة أن النظام الإيراني يواجه اليوم نتائج ضغط خارجي شديد لكنه يواجه أيضا تراكم نتائج خياراته الداخلية والإقليمية . أما الشعب الإيراني فقد تحمل على مدى سنوات طويلة جانبا كبيرا من الكلفة الاقتصادية والمعيشية بينما تحملت المنطقة والملاحة الدولية جانبا من تداعيات سياسات النظام وأذرعه .

ولذلك ربما لم يعد السؤال الحقيقي ماذا بقي للنظام الإيراني بل إلى متى يستطيع الصمود بما يملكه إذا استمر الخنق بهذه الوتيرة ؟ .

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.