كُتاب الرأي

بدأت الجولة الثانية… من بوابة الاقتصاد .

بدأت الجولة الثانية… من بوابة الاقتصاد .

رؤية تحليلية .

الخميس الموافق (20) أغسطس 2026م .

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية.

{ قد تصمد الجيوش خلف التحصينات طويلا لكن الاقتصاد حين يفقد عملته وأسواقه وموارده يبدأ العد التنازلي من الداخل. }

انتهت مهلة الستين يوما لتظهر بعدها مباشرة ملامح مرحلة مختلفة في المواجهة الأمريكية مع النظام الإيراني. فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما وصفه بأشد عملية اقتصادية تفرض على دولة وتحدث عن حرب اقتصادية وعزلة غير مسبوقة محذرا الدول والمؤسسات والشركات والمطارات والجهات الحكومية من توفير أي شريان حياة لإيران.

وهكذا تبدو الجولة الثانية وقد بدأت بالفعل ولكن من بوابة الاقتصاد .

أولا: المعركة على شرايين المال .

لا تكمن جدة الإعلان الأمريكي في إضافة أسماء جديدة إلى قوائم العقوبات وإنما في محاولة مطاردة دورة المال الإيراني نفسها خارج الحدود.

فاستهداف تهريب النفط والمقايضة والتحويلات النقدية وشركات الصرافة وسجلات السفن والشركات الواجهة يعني أن واشنطن تريد تضييق المسافة بين العقوبة ومن يساعد على تجاوزها. والرسالة الموجهة إلى الطرف الثالث واضحة: التعامل مع النظام الإيراني قد يحمل كلفة تتجاوز السوق الإيرانية إلى المصالح الأوسع مع الولايات المتحدة والنظام المالي العالمي.

وهنا تصبح المعركة على قدرة طهران على البيع والتحويل والدفع والحصول على العملة أكثر من كونها معركة على إعلان عقوبات جديدة.

ثانيا: نحو سبعين ريالا… ورحلة نصف قرن .

تقدم العملة الإيرانية واحدة من أكثر الصور اختصارا لما جرى للاقتصاد خلال العقود الماضية.

فقبيل ثورة عام 1979م كان الدولار يدور حول سبعين ريالا إيرانيا وفق البيانات التاريخية المتاحة. ومنذ ذلك الوقت دخلت العملة رحلة طويلة من التراجع رافقتها الحرب والعقوبات وسوء الإدارة والعزلة وتقلبات النفط وتعدد أسعار الصرف حتى أصبح تآكل قيمة الريال أحد أكثر مظاهر الأزمة الاقتصادية الإيرانية وضوحا.

والمقارنة هنا ليست بين نظامين سياسيين بقدر ما هي بين نقطتين في مسار اقتصادي واحد: إيران عشية عام 1979م وإيران بعد ما يقارب نصف قرن من الشعارات الثورية مع مراعاة اختلاف أنظمة وأسعار الصرف والظروف الاقتصادية بين المرحلتين.

ولا يعني ذلك أن الاقتصاد الإيراني قبل الثورة كان بلا اختلالات أو أن كل ما حدث بعد ذلك يمكن اختزاله في سبب واحد. لكن المسافة بين المرحلتين تكشف حجم التراجع الذي أصاب العملة والقوة الشرائية وقدرة الاقتصاد على حماية المواطن من الأزمات المتلاحقة.

ومع ذلك انتهى النظام الذي رفع شعار الاستقلال الاقتصادي إلى اقتصاد شديد الحساسية للعقوبات والدولار وصادرات النفط والمنافذ البحرية.

ثالثا: أين ذهبت موارد إيران؟

السؤال الاقتصادي الأهم لا يتعلق بقيمة الريال وحدها بل بكيفية توزيع الموارد وترتيب الأولويات على امتداد العقود الماضية.

فالنظام الإيراني أنفق موارد ضخمة على الحرس الثوري وبرامج الصواريخ والطائرات المسيرة وبناء شبكات النفوذ الخارجية وتمويل وتسليح الجماعات الإرهابية المسلحة العابرة للحدود وأذرعه الإرهابية في المنطقة وعلى رأسها جماعة الحوثي الإرهابية المسلحة.

وما يسميه النظام «تصدير الثورة» تحول عمليا في عدد من دول المنطقة إلى مشروع نفوذ وتدخل عابر للحدود استنزف المال الإيراني وترك وراءه أزمات وصراعات دفعت المنطقة أثمانها.

وهنا يصبح السؤال مشروعا: كم كان يمكن أن يذهب من تلك الموارد إلى الصناعة والبنية الأساسية والتعليم والصحة وفرص العمل وحماية القوة الشرائية لو اختار النظام بناء الداخل قبل تمويل مشروعه الخارجي؟

إن المشكلة لم تكن في افتقار إيران إلى الموارد بقدر ما كانت في ترتيب الأولويات.

ومن هنا لا يستطيع النظام الإيراني تحميل العقوبات وحدها مسؤولية ما وصل إليه الاقتصاد. فالسياسة الهجومية وما سمي بالثورية التي انتهجها النظام منذ عام 1979م وما رافقها من تدخلات خارجية وتمويل للأذرع والجماعات الإرهابية المسلحة وإنفاق على مشروعات النفوذ والتسلح كانت خيارات اتخذها النظام بنفسه. وبعد قرابة نصف قرن أصبح من حق الإيرانيين أن يسألوا قيادتهم قبل أن تسأل القيادة خصومها: أين ذهبت موارد دولة تملك النفط والغاز والثروة البشرية والموقع الجغرافي بينما يلاحق المواطن سعر الغذاء وقيمة راتبه وتراجع عملته؟

رابعا: عندما يصل الاقتصاد إلى مائدة الأسرة .

الأزمة لم تعد أرقاما في نشرات الأسواق.

فبحسب أحدث البيانات المنشورة بلغ التضخم السنوي نحو 66% في يوليو 2026م بينما ارتفعت أسعار الغذاء بنحو 128% على أساس سنوي. وفي الوقت نفسه تآكلت القيمة الحقيقية للأجور وتراجعت القوة الشرائية وظهرت شكاوى واحتجاجات عمالية مرتبطة بتأخر الأجور في عدد من القطاعات والمناطق.

وتظهر المؤشرات المعيشية صورة أكثر قسوة من الأرقام نفسها؛ فأسر تقلص مشترياتها وبعض المستهلكين يلجأون بصورة أكبر إلى الشراء الآجل فيما يفقد الراتب جزءا من قيمته قبل أن يصل إلى نهاية الشهر.

ولهذا فإن أخطر ما في الحرب الاقتصادية الجديدة أنها تواجه نظاما دخلها واقتصاده يعاني أصلا من تضخم مرتفع وعملة ضعيفة وتجارة مضطربة وإيرادات واقعة تحت ضغط شديد.

وعندما تنتقل الأزمة من سعر النفط إلى مائدة الأسرة ومن احتياطيات الدولة إلى راتب العامل تصبح قدرة الخطاب السياسي على إخفائها محدودة.

خامسا: الإمارات… منفذ مهم يضيق.

لم تعد مؤشرات العزلة الاقتصادية مجرد تهديد أمريكي ينتظر التنفيذ.

فقد أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة وقف جميع الأنشطة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر.

وتكتسب هذه الخطوة وزنا يتجاوز حجمها المباشر بالنظر إلى المكانة التي شغلتها الإمارات تاريخيا في حركة التجارة والتحويلات المرتبطة بالسوق الإيرانية. ولذلك فإن تضييق هذا المنفذ يأتي في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى اقتصاد يبحث أصلا عن قنوات خارجية تخفف أثر العقوبات والحصار.

والأهم أن القرار الإماراتي سبق إعلان ترامب الأخير ولذلك لا يصح اعتباره استجابة له لكنه يكشف أن تضييق المنافذ الإيرانية كان قد بدأ إقليميا قبل الدعوة الأمريكية الجديدة إلى العزل.

وبذلك يجد النظام نفسه أمام معادلة أشد قسوة: منافذ مالية وتجارية تضيق من الخارج في الوقت الذي تتآكل فيه قيمة العملة والقوة الشرائية من الداخل.

وإذا اتسعت دائرة الدول والمؤسسات التي ترى أن كلفة التعامل مع النظام الإيراني أصبحت أعلى من عائد التعامل معه فإن أخطر ما قد يخسره النظام لن يكون صفقة نفط أو تحويلا ماليا بعينه وإنما الشبكة الخارجية التي مكنته طوال سنوات من تخفيف أثر العقوبات والالتفاف عليها .

سادسا: هرمز… تصدير الكلفة إلى الآخرين .

أمام الضغط الاقتصادي تحاول طهران الاحتفاظ بورقة تستطيع من خلالها جعل الآخرين يدفعون جزءا من الثمن.

وهنا يظهر مضيق هرمز .

فكل اضطراب في هذا الممر يرفع كلفة النفط والشحن والتأمين ويصيب اقتصادات ودولا لا علاقة لها بأصل المواجهة. وحركة السفن الفعلية ما تزال دون مستوياتها الطبيعية رغم اختلاف الروايتين الأمريكية والإيرانية حول وضع المضيق.

وتقدم حالة العراق مثالا واضحا؛ فدولة تربطها بإيران علاقات واسعة أصبحت متضررة اقتصاديا من اضطراب هرمز بسبب اعتماد الجزء الأكبر من صادراتها النفطية على موانئها الجنوبية بينما تحتاج البدائل إلى سنوات واستثمارات ضخمة.

وهكذا تتحول الأزمة الإيرانية من مشكلة داخل حدود النظام إلى فاتورة يحاول توزيعها على محيطه وأسواق الطاقة والتجارة الدولية.

سابعا: حين تنتقل الأزمة من الخزينة إلى الشارع .

الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول الأرقام الاقتصادية إلى ضغط سياسي واجتماعي .

فالمؤشرات المنشورة تتحدث عن قلق داخل دوائر النظام من أن تؤدي العقوبات الإضافية إلى زيادة المعاناة وإثارة اضطرابات جديدة والمزيد من تآكل شرعية النظام.

وهنا تظهر المعضلة أمام طهران: الاستمرار في السياسة نفسها يعني مزيدا من الضغط بينما مراجعتها تعني مواجهة حقيقة أن جانبا مهما من الكلفة الحالية كان نتيجة خيارات تراكمت على مدى عقود .

وبعد ما يقارب نصف قرن من الخطاب الثوري يظل الاقتصاد أكثر قسوة في إصدار أحكامه؛ فالعملة لا تجامل والشعارات لا تخفض سعر الغذاء والمشروعات الخارجية لا تعوض المواطن عن القوة الشرائية التي فقدها.

ولهذا قد تكون المرحلة المقبلة اختبارا لقدرة النظام على تحمل الضغوط الاقتصادية أكثر منها اختبارا لقدرة قواته على تحمل الضربات.

ثامنا: عندما يصبح نجاح الضغط خطرا .

الحرب الاقتصادية ليست منفصلة تماما عن احتمالات التصعيد.

فقد نقل عن مسؤول إيراني كبير أن طهران تتجه من الوضع الدفاعي إلى سياسة هجومية بالكامل وأنها قد تستخدم القوة إذا فشلت الدبلوماسية في إنهاء الحصار البحري.

وهذا لا يعني أن التصعيد أصبح حتميا. لكنه يكشف معادلة مقلقة: واشنطن تراهن على أن الزمن سيزيد الضغط على الاقتصاد الإيراني بينما قد يرى النظام أن الزمن نفسه يغلق خياراته.

ومن هنا قد يصبح نجاح الضغط الاقتصادي في إيلام النظام دافعا لمحاولة كسر الحلقة قبل اكتمالها .

ومع ذلك سيكون من المبكر اعتبار المسار الدبلوماسي قد وصل إلى نهايته؛ فالتصعيد الاقتصادي نفسه قد يكون أداة لرفع ثمن الرفض قبل العودة إلى التفاوض.

الخاتمة .

الجولة الثانية بدأت من المكان الذي قد يكون أكثر إيلاما للنظام الإيراني: قدرته على تمويل الدولة وتحريك التجارة والحصول على العملة والمحافظة على الاستقرار المعيشي في الداخل .

أما الحصيلة التاريخية فقاسية. فبعد ما يقارب نصف قرن من الشعارات الثورية والمشروعات الخارجية يقف النظام أمام اقتصاد أنهكته خياراته الداخلية وسياساته الهجومية والتخريبية والعقوبات والحرب معا بينما يتحمل المواطن الإيراني الذي لا ينبغي تحميله مسؤولية تلك السياسات فاتورة التضخم وتراجع القوة الشرائية واضطراب فرص العمل .

والأشد قسوة أن النظام الذي قدم نفسه طوال عقود حاميا لاستقلال إيران انتهى إلى تعريض اقتصادها لعزلة أوسع ومواردها للاستنزاف ومواطنيها لكلفة لم يختاروها. فجراح الاقتصاد الإيراني ليست كلها مستوردة من الخارج؛ فأعمقها صنعته قرارات النظام نفسه وسياساته الهجومية والتخريبية .

وبعد كل هذه العقود يحق للإيراني العادي أن يسأل: ماذا بقي له من خيرات بلاده بعد أن أخذ التضخم من راتبه وأخذ تراجع الريال من مدخراته وأخذت المغامرات الخارجية جانبا من موارد دولته؟

والآن تضيف واشنطن إلى هذه الضغوط محاولة إغلاق شرايين التجارة والتمويل الخارجية بينما بدأ أحد أهم المنافذ الإقليمية يضيق بقرار الإمارات وقف معاملاتها التجارية والمالية مع إيران .

لذلك لن يقاس نجاح العملية الاقتصادية الأمريكية بعدد العقوبات المعلنة بل بمقدار ما تستطيع واشنطن تنفيذه وبعدد المنافذ التي تستطيع إغلاقها وبمقدار ما يستطيع الاقتصاد الإيراني احتماله قبل أن تنتقل الضغوط المالية إلى حسابات السياسة والأمن في الداخل .

ويواجه النظام الإيراني اليوم سؤالا صنع جانبا كبيرا منه بنفسه: هل يراجع سياسة استنزفت موارد إيران على مدى عقود أم يحاول مرة أخرى الهروب من نتائجها إلى مغامرة جديدة؟

{ الحروب الاقتصادية لا تحتاج إلى دخان حتى نرى آثارها؛ يكفي أن ننظر إلى قيمة العملة وسعر الطعام وقدرة العامل على انتظار راتبه لنعرف أين وصلت المعركة } .

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

تعليق واحد

  1. إن المعركة الحقيقية اليوم اقتصادية وان النظام الإيراني يواجه نتائج خياراته الداخلية قبل أن يواجه العقوبات الخارجية.
    الضغط الأمريكي يشتد والمنافذ الإقليمية تضيق والعمله تتراجع والمواطن يدفع الثمن.

    والسؤال الذي نطرحه في النهاية هو جوهر الأزمة:
    هل يراجع النظام سياساته التي استنزفت موارد إيران؟
    أم يهرب إلى مغامرة جديدة تزيد الكلفة على الداخل والخارج؟
    هناك تداخل بين السياسه والاقتصاد والامن..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.