الذهب لا يطفئه كاره

الذهب لا يطفئه كاره
عبدالمحسن محمد الحارثي
هناك أشياء في الحياة لا تحتاج إلى إجماعٍ كي تثبت قيمتها؛ فالذهب، حين يتوهّج، لا يفقد بريقه لأن عينًا أغمضت عنه، ولا يصبح أقل قيمة لأن أحدًا لم يعترف به. قيمة الأشياء العظيمة لا تستمد وجودها من تصفيق الآخرين، كما أن الشمس لا تستأذن العابرين كي تشرق.
والغريب أن الناس يختلفون حول الأشياء العظيمة أكثر مما يختلفون حول الأشياء الهامشية؛ لأن النجاح يوقظ في النفوس شيئًا مختلفًا: بعضهم يراه مصدر إلهام، وبعضهم يراه مرآةً تكشف ما ينقصه. لذلك تجد أمام النموذج الناجح شخصًا مُحبًا يرى في نجاحه امتدادًا للخير، وآخر كارهًا لا يرى في النجاح إلا ما يزعجه؛ فيحاول أن يطفئ الضوء بدل أن يسأل نفسه: لماذا لا أضيء مثله؟
وهنا تكمن مفارقة أعمق: بعض الناس لا يحاربون نجاحك لأن نجاحك يؤذيهم، بل لأن نجاحك يذكّرهم بما كان يمكن أن يكونوا عليه. فنجاح الآخر قد لا يكون المشكلة في ذاته؛ المشكلة أنه يضع الإنسان أمام سؤالٍ لا يريد مواجهته: ماذا فعلتُ أنا بكل ما كان يمكن أن أكونه؟
ومن هنا يمكن فهم ظاهرة عجيبة في حياة البشر: كلما ازداد الشيء توهجًا، ازداد حوله الذين يحاولون تفسير توهجه أو التقليل منه. فالنجاح الكبير لا يمرّ على النفوس مرورًا محايدًا؛ إنه يستفز الإعجاب حينًا، والغيرة حينًا، والمنافسة حينًا، والإنكار حينًا آخر.
ولعل نادي الاتحاد واحد من أوضح النماذج على ذلك. لم يعد الاتحاد مجرد نادٍ رياضي؛ فقد تجاوز حدود الملعب إلى حالةٍ جماهيرية لها حضورها وذاكرتها ورموزها وانفعالاتها. نادي له جماهير، وجماهيره لها جماهير. وهذه ليست مبالغةً في الوصف، بل نتيجة طبيعية لتراكم التاريخ والعاطفة والانتصارات والانكسارات التي صنعت علاقةً تتجاوز فكرة التشجيع إلى معنى الانتماء.
لكن الفكرة أوسع من الاتحاد.
في كل مجال ستجد نماذج متوهجة: إنسانًا نجح، ومؤسسةً نهضت، ومشروعًا أثبت نفسه، وفكرةً انتصرت، وشخصيةً تركت أثرًا لا يستطيع الزمن محوه. هؤلاء لا يحتاجون إلى أن يكونوا محبوبين من الجميع؛ فذلك أمر مستحيل أصلًا. يكفيهم أن يكون أثرهم أقوى من محاولات الانتقاص منهم.
وهنا تظهر المفارقة: الناجح لا يواجه دائمًا من ينافسه، بل قد يواجه من يتمنى ألا ينجح. وبين المنافس والكاره مسافة أخلاقية كبيرة؛ فالمنافس يريد أن يتفوق عليك، أما الكاره فيريد أن لا تكون متفوقًا أصلًا.
ولذلك لا ينبغي للناجح أن ينشغل كثيرًا بمن يحاول إسقاطه؛ لأن بعض الذين يرفعون أصواتهم في وجه الناجحين لا يملكون مشروعًا ينافسهم به، فيستبدلون العمل بالكلام، والإنجاز بالتشكيك، والصعود بمحاولة شدّ الآخرين إلى الأسفل.
وهذا هو «الأحد» في هذه الحكاية؛ ليس يومًا من أيام الأسبوع المعروفة، وإنما أحدٌ مجهول، شخص بلا مشروع، يكتسب حضوره من محاولته التقليل من حضور غيره. لا يملك ذهبًا، فيحاول إقناع الناس بأن الذهب الذي أمامهم ليس ذهبًا!
لكن الذهب لا يدخل في جدال.
إنه يبقى ذهبًا.
والناجح كذلك؛ لا يحتاج أن يرد على كل من شكك فيه، ولا أن يشرح لمعترضٍ لماذا نجح، ولا أن يقف كل صباح أمام مرآة الآخرين طالبًا منهم الاعتراف به. يكفي أن يترك الزمن يتولى مهمة الفرز؛ فالزمن أكثر عدلًا من التصفيق، وأكثر دقةً من الضجيج.
وربما كانت أعظم حكمة في هذه المسألة أن الضوء لا يهزم الظلام بمجادلته؛ وإنما يهزمه بمجرد أن يضيء.
لهذا ؛ حين ترى نموذجًا متوهجًا، لا تسأل كم شخصًا يكرهه؛ اسأل: كم أثرًا ترك؟ وكم قلبًا ألهم؟ وكم إنسانًا جعله يؤمن بأن النجاح ممكن؟
أما الذين يحاولون إطفاء التوهج، فغالبًا لا يملكون سوى النفخ في الهواء.
والذهب المتوهّج لا يخشى النفخ؛ لأن النار التي صقلته كانت أقوى من كل ريح.
كاتب رأي


