حين يسقط الإنسان قبل الطائرة!!

حين يسقط الإنسان قبل الطائرة!!
عبدالمحسن محمد الحارثي
بين عظمة المنجز وقدسية الأرواح… أسئلة يفرضها الحزن
إلى أرواح الشهداء الأربعة عشر… الذين غادروا إلى السماء، وتركوا على الأرض درساً بليغاً: أن الإنسان سيبقى دائماً أثمن من كل المنجزات.
في بعض الحوادث ؛ تتراجع لغة الأرقام، ويخفت الحديث عن التقنية والإنتاج والخسائر المادية، ليتقدم سؤال واحد إلى الواجهة: ماذا عن الإنسان؟
لقد هزّ خبر سقوط المروحية التابعة لشركة أرامكو، واستشهاد أربعة عشر من كوادرها الوطنية، وجدان المجتمع بأسره. فالفاجعة لا تكمن في عدد الضحايا فحسب، بل في أنها ارتبطت باسمٍ كبير اعتاد الناس أن يقترن بالاحترافية والانضباط والجاهزية.
أرامكو ليست مجرد شركة نفطية؛ إنها تجربة إدارية رائدة، واسمٌ صنع سمعته عبر عقود من العمل المتقن، حتى غدا مرادفاً للتميز المؤسسي والتخطيط بعيد المدى، وأصبحت نموذجاً يُحتذى في إدارة المخاطر والسلامة والموارد البشرية والخدمات اللوجستية والبرامج التشغيلية.
ولهذا ؛ فإن أي حادث يقع في محيطها لا يُقرأ بوصفه حدثاً عابراً، بل بوصفه لحظة تستدعي التأمل والمراجعة وطرح الأسئلة المشروعة.
لقد عُرفت الشركة بمنظوماتها المتقدمة في إدارة المخاطر، وقدرتها على الاستباق وقراءة الاحتمالات، وبثقافتها الراسخة في السلامة، وبكفاءتها في إعداد كوادرها الوطنية وتأهيلها. غير أن المآسي الكبرى تفرض دائماً أسئلة أكبر من الأجوبة الجاهزة.
هل أصبح الاعتماد المتزايد على التقنية والأنظمة يطغى – ولو من غير قصد – على مركزية الإنسان في معادلة العمل؟
وهل تُمنح استمرارية العمليات والإنتاج القدر نفسه من العناية التي تُمنح لسلامة الموظف؟
وهل ما زالت بعض وسائل النقل المستخدمة تتناسب مع طبيعة المخاطر الجديدة في منطقة تشهد تحولات جيوسياسية متسارعة؟
وهل آن الأوان لإعادة تقييم البدائل بما يجعل حماية الإنسان في مقدمة الأولويات؟
يقول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: “عامل الإنسان دائماً بوصفه غاية، لا مجرد وسيلة”.
وهي عبارة تختصر فلسفة الإدارة الإنسانية؛ فنجاح المؤسسات لا يُقاس بما تحققه من منجزات فحسب، بل بقدرتها على حماية الإنسان الذي يصنع تلك المنجزات.
إن هذه الأسئلة لا تنال من مكانة أرامكو، ولا تستبق نتائج التحقيقات، بل تنطلق من حقيقة أن المؤسسات الكبرى هي الأكثر قدرة على المراجعة والتطوير والتعلم من التجارب.
لقد فقدت أسرٌ سعودية أربعة عشر من أبنائها، وفقد الوطن نخبةً من كوادره. وهنا تتوارى لغة التقارير، ولا يبقى إلا ألم الفقد وقيمة الإنسان.
وأمام هذه الفاجعة يبرز سؤال حزين:
أكانت المروحية هي الوسيلة الوحيدة الممكنة للنقل؟
إن الإنسان هو الثروة الحقيقية لأي مؤسسة. فالمنشآت تُبنى من جديد، والخطط تُراجع، والخسائر المادية تُعوَّض، أما الأرواح إذا رحلت فلا سبيل إلى استعادتها.
وقد قرر القرآن الكريم هذه القيمة العظيمة بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]، في دلالة بليغة على أن حفظ النفس الإنسانية يتقدم على كثير من المصالح والمكاسب.
رحم الله الشهداء الأربعة عشر، وأسكنهم فسيح جناته، وألهم ذويهم الصبر والسلوان.
ولعل أعظم وفاء لهم أن تتحول هذه الفاجعة إلى وقفة مراجعة تؤكد من جديد أن سلامة الإنسان ليست إجراءً تنظيمياً ولا مؤشراً تشغيلياً، بل قيمة عليا ينبغي أن تظل فوق كل اعتبار.
ففي عالم الأعمال تُقاس الشركات بما تنتجه، أما عظمتها الحقيقية فتُقاس بما تحميه من أرواح. فالنفط يمكن أن يُستخرج من جديد، والمنشآت يمكن أن تُبنى من جديد، أما الإنسان إذا رحل فلن يعود.
قد تصنع الشركات ثرواتها من النفط، لكنها تصنع مجدها من الإنسان؛ لأن الإنسان هو أول التنمية وآخرها، ولأن الأوطان تُبنى بالإنسان أولاً، وتزدهر به، وتفتقده حين يرحل.
كاتب رأي


فعلا
(( سلامة الإنسان ليست إجراءً تنظيمياً ولا مؤشراً تشغيلياً، بل قيمة عليا ينبغي أن تظل فوق كل اعتبار.))
نسمع مقولة ارامكو تاخذك لحم وترميك عظم بمقابل مادي مغري وهذا هو الواقع حرمان من العلاقات الاجتماعية فقدان الجو العائلي وقتك ليس لك وهذا بسبب المغريات والنهاية يذهب بك العمر بفقدان امور كثيرة
💯💯
💯💯👍👍