كُتاب الرأي

ما لها علاقة!!

ما لها علاقة!!

عبدالمحسن محمد الحارثي

من أكثر العبارات تداولًا على ألسنة الناس قولهم: “ما لها علاقة!”

نقولها حين نعجز عن فهم الربط بين أمرين، أو نستغرب صدور موقفٍ في سياقٍ يبدو بعيدًا عنه، أو نرى نتيجةً لا نعرف الأسباب التي قادت إليها.

لكن المشكلة في كثيرٍ من الأحيان ليست في غياب العلاقة، بل في غياب رؤيتها.

فحين يخرج مسؤولٌ سياسي داعيًا إلى وقف إطلاق النار فورًا، ثم يتبع ذلك بالتأكيد على استمرار العقوبات والضغوط، يتساءل البعض: ما علاقة هذا بذاك؟

وحين يوصي الأب ابنه بألّا يطيل السهر خارج المنزل، ويُتبع نصيحته بعبارةٍ من قبيل: “قعود المرء في أوكاره زيادةٌ في أعمارِه” ؛ قد يظن الابن أن بين الكلامين فجوةً لا رابط لها.

وفي الحالتين تكون العبارة الجاهزة حاضرة: “ما لها علاقة!”

غير أن الحياة أعمق من ظاهرها، وأكثر تشابكًا مما يبدو لأول وهلة.

فالإنسان لا يتكلم من لحظته فقط، بل من تاريخه أيضًا.
ولا يتخذ مواقفه من الحاضر وحده، بل من تجارب الأمس التي لا تزال تسكن ذاكرته.
وكثيرٌ من القرارات التي تبدو مفاجئة للآخرين ؛ ليست في حقيقتها إلا نتائج متأخرة لأسباب قديمة.

ولذلك قيل: “ما نراه قرارًا مفاجئًا، يراه صاحبه نتيجةً متأخرة”.

فالأب الذي يوصي ابنه لا ينطلق من ساعةٍ متأخرة على جدار المنزل، وإنما من مشاهد رآها، وتجارب مرّ بها، وعثرات شهدها، ومخاوف يسعى إلى تجنيب ولده الوقوع فيها.
إنه يرى ما وراء النصيحة، بينما لا يسمع الابن إلا ألفاظها.

وكذلك المربي، والمعلم، والقاضي، والمدير، بل وحتى الكاتب؛ فكل واحدٍ منهم يحمل في قراراته ومواقفه أرشيفًا كاملًا من الخبرات لا يراه الناس.

يقول الفيلسوف الأمريكي جون ديوي: “كل تجربةٍ تعيش في التجارب التي تليها”.
وهي عبارة تختصر جانبًا مهمًا من فهم السلوك البشري؛ فما من تجربةٍ صادقة إلا وتترك أثرًا، وما من أثرٍ إلا ويبحث يومًا عن مظهرٍ يتجلى فيه.

ولهذا ؛ فإن الأحداث لا تنتهي حين تنقضي، بل حين ينتهي أثرها.
غير أنّ كثيرًا من الآثار لا تنتهي أصلًا؛ بل تتحول إلى أفكار، ثم إلى قناعات، ثم إلى مواقف، ثم إلى قرارات.

ولعل أجمل ما نتعلمه مع العمر ؛ أن العلاقات بين الأشياء ليست كلها ظاهرة للعين .
فهناك أسباب تغادر المشهد وتبقى نتائجها، وهناك مواقف تنتهي ويبقى ظلها، وهناك كلمات تُقال اليوم لأن تجربةً بعيدة ما زالت تتكلم من خلالها.

ولذلك فإن عبارة “ما لها علاقة” ليست دائمًا وصفًا للحقيقة، بقدر ما هي وصفٌ لحدود ما نعرفه نحن.

فكم من خيطٍ خفيٍّ ربط بين أمرين فأنكرناه، وكم من أثرٍ قديمٍ صنع موقفًا جديدًا فغفلنا عنه، وكم من حكمةٍ بدت غريبةً في وقتها، ثم اكتشفنا بعد حين أنها كانت ترى ما لم نكن نراه.

وفي الحياة أشياء كثيرة يُقال عنها: ما لها علاقة.
لكن الأيام كثيرًا ما تكشف أن العلاقة كانت موجودة منذ البداية، غير أن الأبصار رأت المشهد ولم ترَ ما وراءه، وسمعت الكلمات ولم تسمع صدى التجارب الكامنة خلفها.

فليس كل خيطٍ خفيٍّ معدومًا ؛ وإنما بعض الخيوط يحتاج إلى زمنٍ كي يظهر!!

كاتب رأي

 

 

عبدالمحسن محمد الحارثي

أديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.