كُتاب الرأي

أفراحٌ ممنوعةٌ من الفرح!

أفراحٌ ممنوعةٌ من الفرح!

عبدالمحسن محمد الحارثي

في بعض الزواجات الجماعية، يبدأ التحضير قبل المناسبة بعام كامل.

عامٌ من الاجتماعات، واللجان، والميزانيات، والاتصالات، والتجهيزات، والقوائم، والبروفات.

عرسان ينتظرون.

عرائس ينتظرن.

أسرٌ تستعد.

وضيوفٌ يجهزون أنفسهم لليلة فرحٍ كبرى.

ثم، وقبل أن يصل الفرح إلى القاعة، يصل خبر وفاة هنا أو هناك.

وهنا تبدأ أهم فقرة في الزواج الجماعي:

اجتماع إلغاء الفرح!

يجتمع أصحاب الرأي، وتُراجع الظروف، وتُستحضر العادات، ثم يخرج القرار التاريخي:

نلغي مظاهر الفرح!

أما الزواج نفسه، فلا مشكلة.

العريس ما زال عريسًا.

والعروس ما زالت عروسًا.

والقاعة موجودة.

والعشاء سيُقدّم.

والميزانية صُرفت.

والضيوف حضروا.

لكن الفرح؟

الفرح ممنوع من الحضور!

فهو، على ما يبدو، قد يجرح مشاعر أهل الحزن.

وهكذا نصل إلى صيغة اجتماعية عجيبة:

نقيم الزواج… ونلغي الفرح!

مثل أن نقيم مباراة، ثم نطلب من اللاعبين ألا يلعبوا.

أو نفتتح مطعمًا، ثم نرجو من الزبائن ألا يأكلوا.

أو نشتري تذاكر سفر، ثم نجلس في المطار احترامًا لمن لم يسافر!

نحن لا نختلف على الحزن.

ولا على مواساة أهل الفقيد.

ولا على احترام مشاعرهم.

فالحزن له حرمته، والمواساة خلق كريم، ومشاعر الناس لا ينبغي أن تُهمَل.

لكن السؤال الذي يبدو أن بعض العادات لا تسمح لنا بطرحه:

هل مواساة أهل الحزن لا تتحقق إلا بإحزان كل الفرحانين؟

وهل إذا حزن شخص، وجب أن يدخل الحزن في نظام «التعميم»؟

خبر وفاة في حيٍّ ما، فتصل رسالة إلى بقية الأحياء:

يرجى إيقاف الفرح حتى إشعار آخر!

وإذا كان هذا هو النظام، فإننا نحتاج إلى جهة رسمية ترصد الحزن على مدار الساعة، وتصدر نشرة يومية:

لا توجد أفراح اليوم؛ فقد سجلت البلاد ثلاث حالات حزن!

وبهذا لن يجد الفرح فرصة للظهور؛ لأن الحزن، ولله الحمد، لا يعاني من نقص في المناسبات.

المشكلة أن بعض العادات والتقاليد لا تكتفي أحيانًا بأن تكون عادات.

بل ترتدي ثوبًا رسميًا، وتضع أمامها لافتة كبيرة:

ممنوع النقاش!

فإذا قلت:

«ربما يمكن تطوير الأمر».

قالت:

«هكذا وجدنا آباءنا».

فإذا سألت:

«لكن هل كل ما وجدناه عند آبائنا يصلح لكل زمان؟»

نظرت إليك العادة نظرةً حازمة، وقالت:

لا تفتح هذا الموضوع!

وهكذا تنتصر العادة بالضربة القاضية، بينما تجلس القيم في آخر القاعة، تنتظر دورها منذ سنوات.

القيمة تقول:

واسِ الحزين.

والعادة تقول:

أحزن الجميع!

القيمة تقول:

احترم مشاعر أهل المصاب.

والعادة تقول:

ألغِ فرح العرسان!

القيمة تقول:

كن رحيمًا ومتوازنًا.

والعادة تقول:

لا نعرف التوازن؛ لدينا خياران فقط: فرح كامل أو حزن شامل!

ثم تأتي ليلة الزواج.

ليلة انتظرها الجميع عامًا كاملًا.

لكنها تبدأ وكأن الفرح تلقى خطابًا رسميًا:

نعتذر عن عدم حضوركم، لظروف خارجة عن الإرادة.

الزفة غائبة.

والبهجة غائبة.

والحماس غائب.

أما العرسان، فينظرون إلى بعضهم بعضًا وكأنهم يسألون:

هل نحن في ليلة العمر، أم في مراسم تسليم العُهد؟

واللجان التي كانت تعمل طوال العام؟

استكانت.

وبردت.

وتوقفت.

وكأنها قالت:

بما أن الفرح أُلغي، فلا داعي لأن نتعب أنفسنا في تنظيم شيء!

فالفرح، كما يبدو، إذا غاب، أخذ معه التنظيم والحماس والاهتمام.

أما العشاء، فله قصة أخرى.

اللحم يصل إلى الضيف بعد رحلة طويلة، حتى إن بعض القطع تبدو وكأنها عاصرت أكثر من لجنة تنظيمية.

ينظر إليها الضيف.

وتنظر إليه القطعة.

ثم يبدأ بينهما حوار صامت:

من منكما سيستسلم أولًا؟

أما الماء والعصيرات، فقد قررت أن تشارك في المناسبة بطريقتها الخاصة.

فبدلًا من أن تكون باردة ومنعشة، وصلت بدرجة حرارة تقول:

نحن أيضًا في حالة حداد!

والعشاء كله يبدو كأنه حضر المناسبة مجاملة.

حتى الرز يأكل نفسه بنفسه.

والحضور؟

كان من المفترض أن تكون القاعة ممتلئة.

لكن الناس حين علموا أن الفرح أُلغي، قال بعضهم:

إذن لماذا نذهب؟

وهنا تحقق الزواج الجماعي إنجازًا إداريًا نادرًا:

حضور قليل، وفرح قليل، وعشاء باهت، وعصيرات ساخنة، وميزانية كاملة!

مئات الآلاف صُرفت.

ولم تتأثر الميزانية بالحزن.

فالمال، كما يبدو، لا يقرأ العادات، ولا يتابع الأخبار، ولا يقول:

«بما أن الفرح أُلغي، فلنخفّض التكلفة».

بل يدفع كامل المبلغ، ثم يجلس في نهاية الليلة ويسأل:

عفوًا… أين ذهبت المناسبة؟

وهنا تظهر المفارقة الكبرى:

نحن لا نلغي الزواج.

ولا نوفر التكلفة.

ولا نعيد الأموال.

ولا نرتب بديلًا.

ولا نضمن فرحة حقيقية.

نحن نلغي الفرح فقط!

فهل المطلوب أن يفرح العرسان سرًا؟

هل يبتسمون داخل سياراتهم؟

هل يصفقون تحت الطاولة؟

هل يحتفلون بعد عودتهم إلى منازلهم، بشرط ألا يكتشف أحد أنهم تزوجوا وفرحوا؟

يا جماعة الخير…

الفرح ليس جريمة!

ومواساة أهل الحزن لا تعني أن يتحول المجتمع كله إلى مجلس عزاء.

يمكن أن نعزّي.

ونواسي.

ونشارك أهل المصاب مشاعرهم.

ونخفف بعض مظاهر الاحتفال إن اقتضى الأمر.

ثم نترك للعرسان حقهم الطبيعي في أن يفرحوا.

فالحياة لا تتوقف كلما مرّ بها الحزن.

ولو توقفت الحياة عن الفرح كلما طرق الحزن بابًا، لما بقي في الدنيا عرس واحد مكتمل؛ فالحزن لا يستأذن، والموت لا يحدد مواعيده وفق جدول الأفراح.

إن المشكلة ليست في العادات نفسها.

فالعادات الجميلة تحفظ المجتمع، وتمنحه خصوصيته، وتربط حاضره بماضيه.

لكن المشكلة حين تتحول العادة إلى مدير عام للحياة، وتصبح القيم موظفًا صغيرًا ينتظر توقيعها.

القيم تقول:

واسِ الحزين.

والعادة تقول:

أحزن الجميع!

القيم تقول:

احترم المشاعر.

والعادة تقول:

ألغِ الفرح!

القيم تقول:

كن رحيمًا.

والعادة تقول:

كن تقليديًا!

وهنا نحتاج إلى إعادة ترتيب العلاقة بين القيم والعادات.

فالقيم أوسع من العادات.

والعادات قابلة للتطوير.

والدين أرحب من التقاليد.

والعقل – إذا أُعطي فرصة – قادر على أن يجد حلًا لا يجعل أهل الحزن يشعرون بأننا تجاهلناهم، ولا يجعل العرسان يشعرون بأن فرحتهم جريمة اجتماعية.

ولذلك أقترح أن نضيف إلى لجان الزواج الجماعي لجنة جديدة:

لجنة إنقاذ الفرح

ومهمتها أن تتأكد من أن:

العريس فرح.

والعروس فرحت.

والضيوف وجدوا ماءً باردًا.

والعصيرات لم تدخل في حالة حداد.

واللحم لا يحتاج إلى محامٍ للدفاع عنه.

واللجان لم تستكن.

والميزانية لم تُصرف على مناسبة حضرت إليها كل الأشياء… إلا الفرح.

وأهم من ذلك كله:

أن تتأكد اللجنة من أن الفرح لم يُلغَ بقرار إداري!

فنحن لا نريد أن نضحك في وجه الحزن.

ولا نريد أن نتجاهل مشاعر أهل المصاب.

نريد فقط أن نفهم أن:

الحزن له مقامه، والفرح له مقامه، والحياة لا تتوقف لأن الموت مرّ من مكان قريب.

أما أن نقيم الزواج، ونصرف الأموال، ونجمع الناس، ونحضر العرسان والعرائس، ثم نطلب من الجميع أن يفرحوا بصمت، ويأكلوا بحزن، ويشربوا عصيرًا ساخنًا، ويصارعوا قطعة لحم عاصرت ثلاثة أجيال…

فهنا لا يكون السؤال:

لماذا ألغينا مظاهر الفرح؟

بل:

لماذا أقام الفرح حفل زفافه… ولم يحضر؟

كاتب رأي 

عبدالمحسن محمد الحارثي

أديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.