كُتاب الرأي

*التحرّش الجنسي في زمن الطفولة*

*التحرّش الجنسي في زمن الطفولة*

* عبدالمحسن محمد الحارثي*

ليست كل الجراح تُرى، فبعضها يختبئ خلف ابتسامةٍ متأخرة، وصمتٍ طويل، وعمرٍ يمضي كاملًا وهو يحاول النجاة من لحظةٍ واحدة لم يستطع نسيانها.

حين تُغتال البراءة في العتمة ؛ ذلك أن الطفولة ليست مرحلةً عابرة من العمر، بل هي “الخريطة الأولى للروح”، وكل خدشٍ يقع فيها يظل قادرًا على النزف ولو بعد عقود..وكما يقول علماء النفس: “الطفل لا ينسى الألم، بل يتعلّم كيف يخبئه”.

وحين يخرج إنسان بعد سنوات طويلة ليتحدث عن تحرّشٍ تعرّض له في طفولته ؛ فإن القضية لا تكون قصة فردٍ فقط، بل مرآة مجتمعٍ كامل؛ مجتمعٍ ما يزال أحيانًا يتعامل مع هذا الملف بارتباك الصمت، أو بخجل المواجهة، أو بوهم أن الخطر بعيد عن بيوته.

بينما الحقيقة التي أثبتتها الوقائع، وأكدتها الكاميرات، وكشفتها اعترافات الضحايا ؛ أن الشر لا يحمل دائمًا وجهًا مخيفًا، بل قد يأتي أحيانًا بثياب الألفة، وبملامح القرب، وبصوتٍ يعرفه الطفل ويطمئن إليه.

ولأن “النفوس إذا أُهملت توحّشت” ؛ فإن التحرّش بالأطفال لا يولد من فراغ، بل يسبقه تصدّعٌ أخلاقي طويل، وضعفٌ في الوازع، واستسلامٌ تدريجي لذنوب الخلوات، حتى يصبح الحاجز بين الفكرة والجريمة هشًّا إلى درجة مرعبة..وقد قال بعض السلف: “لا تنظر إلى صِغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت”.

فالانحراف الكبير يبدأ غالبًا من استسهال النظرة، ثم اعتياد الخلوة، ثم موت الرقيب الداخلي.
ولهذا ؛ جاء التحذير الرباني العميق: ﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور﴾، لأن كثيرًا من الجرائم تبدأ أولًا داخل النفس قبل أن تتحول إلى فعلٍ ظاهر.

وفي زمنٍ تتكاثر فيه المغريات، وتضعف فيه الحواجز ؛ يصبح الحديث عن الوازع الديني ضرورة نجاة لا ترف وعظ ؛ لأن الإنسان قد يهرب من القانون، لكنه لا يهرب من نفسه، ولا ينجو من ذاكرةٍ تُعيد عليه ذنبه كلما خلا بذاته..وقد جاء في الحديث الشريف: “اتقِ الله حيثما كنت”، وهي قاعدة أخلاقية عظيمة تقوم على أن أعظم الرقباء هو ذلك الصوت الخفي الذي يمنع الإنسان من السقوط حين لا يراه أحد..وكما يُقال: “من راقب الله في سرّه ؛ عصمه الله في علانيته”.

إن أخطر ما في التحرّش بالأطفال ؛ أنه لا يقتل الجسد، بل يقتل المعنى؛ معنى الأمان، والثقة، والطمأنينة الأولى.
ولهذا يقول المختصون إن “الصدمة في الطفولة لا تمرّ، بل تعيد تشكيل الإنسان”.

فكم من بالغٍ يعيش اليوم بجسد رجل، بينما داخله طفلٌ مذعور لم يجد يومًا من يسمعه أو يصدّقه أو يربت على خوفه..وقد صدق من قال: “الكلمات قد تُنسى، أمّا الإحساس بالأذى فلا يغادر الذاكرة بسهولة”.

ومن هنا ؛ فإن حماية الأطفال ليست مهمة عاطفية مؤقتة، بل مشروع وعيٍ متكامل يبدأ من البيت قبل المدرسة، ومن الحوار قبل الرقابة، ومن بناء الثقة قبل بناء الجدران.
فالطفل الذي يعرف حدوده، ويُدرَّب على التعبير، ويشعر أن صوته مسموع ؛ أقل عرضة لأن يكون فريسة للصمت والخوف.
وقديمًا قيل: “الوقاية خيرٌ من ألف علاج” ؛ لأن بعض الندوب لا يزيلها الزمن مهما طال.

كما أن التربية الحقيقية لا تقوم على التخويف وحده، بل على بناء الإدراك ؛ لأن “العقل الواعي يحرس نفسه أكثر من الأبواب المغلقة”.

ولعل أكثر ما يدعو للقلق أن كثيرًا من جرائم التحرّش لم تقع في الأزقة المظلمة، بل داخل أماكن ظُنّ أنها آمنة. وهنا تتجلّى الحاجة إلى إعادة تعريف الثقة؛ فليس كل قريبٍ مأمونًا، ولا كل معروفٍ مؤتمنًا.

وليس المقصود صناعة مجتمعٍ مرتاب، بل مجتمعٍ واعٍ يدرك أن “الحذر لا يناقض حسن الظن، بل يحميه”. وقد أثبتت الكاميرات في السنوات الأخيرة أن بعض الفضائح لم تكن شائعات، بل حقائق مؤلمة كانت تتحرك خلف الأبواب المغلقة..وكما يقول المثل الشعبي: “الحيطان لها عيون”.

لكن التقنية، مهما بلغت ؛ تبقى وسيلة كشف لا وسيلة تهذيب ؛ لأن بناء الإنسان لا تصنعه العدسات، بل تصنعه التربية، ويصنعه الضمير الحي، ويصنعه الإيمان الذي يجعل المرء يخشى الله أكثر مما يخشى الفضيحة.

فبعض الناس لا يمنعهم القانون من الجريمة، بل يمنعهم ضميرٌ ما يزال حيًّا. ولهذا قيل: “إذا مات الضمير، استيقظت الوحوش النائمة في النفس”.

أما الضحايا ؛ فهم لا يحتاجون إلى الشفقة بقدر ما يحتاجون إلى الاحتواء. يحتاجون إلى مجتمعٍ يفهم أن التحرّش ليس “ذكرى سيئة” فحسب، بل زلزال نفسي قد يمتد أثره إلى العلاقات، والثقة، والنظرة إلى الذات، وحتى إلى معنى الحياة نفسها.

ولذلك فإن من الظلم مضاعفة الجرح بالتشكيك أو التقليل أو مطالبة الضحية بالنسيان السريع ؛ لأن “بعض الألم لا يُنسى، بل يُتعايش معه بصعوبة”..وقد قال الحكماء: “الكسور النفسية لا تُرى بالأشعة، لكنها تُوجع أصحابها كل يوم”.

إن التحرّش الجنسي بالأطفال ليس انحرافًا فرديًا فقط، بل خللٌ أخلاقي واجتماعي وإنساني، وحين تتهاون المجتمعات في مواجهته ؛ فإنها لا تخسر طفلًا واحدًا، بل تخسر جزءًا من نقائها الداخلي..وقد قيل قديمًا: “إذا فسدت البدايات ؛ تعبت النهايات”.

والطفولة هي بداية الإنسان الكبرى؛ فإذا تسلّل إليها الأذى، اختلّت أشياء كثيرة في أعماق العمر كله.

ولهذا ؛ فإن حماية الطفولة ليست ملفًا ثانويًا، بل قضية حضارة.
فالأمم العظيمة ؛ لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرقٍ وأبراج، بل بما تبنيه من أمانٍ في قلوب أطفالها ، لأن الطفل الذي ينام مطمئنًا اليوم ؛ هو المواطن السويّ الذي سيبني الغد بثقةٍ واتزان..وكما يُقال في الحكمة الخالدة: “من أمن في طفولته ؛ اطمأن في مستقبله”.

كاتب رأي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى