كُتاب الرأي

الأخلاق تهذب وهج الكلمة

الأخلاق تهذب وهج الكلمة

رؤى مصطفى

في كل حديث عن الشعر والأدب، يظل السؤال حاضرًا: هل يكفي المبدع أن يكتب نصًا جميلًا، ويملك لغة آسرة وخيالًا واسعًا، ثم لا يكون في تعامله على قدر ما يكتبه؟ هذا السؤال كان محور حديث جمعني بالصديقة أروى الجريد، وقد توقفنا عند فكرة أن الشاعر والكاتب والقاص والروائي لا يُقاسون بجمال نصوصهم وحدها، بل بما يحملونه من أدب في السلوك، ورقي في التعامل، ومكارم أخلاق تجعل حضورهم امتدادًا لما يكتبون.

فالأدب في جوهره ليس كلمات تصف على الورق، ولا صورًا بلاغية تدهش القارئ لحظة ثم تنطفئ إنه تهذيب للروح، ووعي بالناس، وقدرة على أن يكون الإنسان قريبًا، لطيفًا، غير متعالٍ على من حوله. ومن هنا تأتي الآية الكريمة في معناها الإنساني العميق: «ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك»، لتؤكد أن القلوب لا تجتمع حول القسوة، وأن جمال الكلمة لا يعوّض غلظة صاحبها.

وحين نستعيد شعراء العصور القديمة، لا نجد صورة واحدة تصلح للحكم عليهم جميعًا. فقد كان شعراء الجاهلية أبناء بيئتهمًحملوا صلابة الصحراء، وصدق الفطرة، وقوة العبارة، فبرز في شعرهم الفخر والحماسة والهجاء والوصف، غير أن ذلك لم يمنع حضور الحكمة والوفاء والرقة. ثم جاء شعراء صدر الإسلام، فدخلت القيم الجديدة إلى بنية القصيدة، وظهر أثر الإيمان والدعوة إلى مكارم الأخلاق والدفاع عن الحق.

أما العصر الأموي، فقد اتسعت فيه مساحة السياسة والقبيلة والغزل، وبرزت النقائض والمنافسات الشعرية، إلى جانب الغزل العذري الذي حمل صورة أخرى من الرقة والوفاء. وفي العصر العباسي، دخل الشعر مرحلة أكثر اتساعًا؛ إذ حضرت الفلسفة والحكمة والعلوم والحياة المدنية، فصار الشاعر أكثر انفتاحًا على العقل والتجربة. أما الأندلسيون، فقد أضافوا إلى الشعر رقة الطبيعة، وموسيقى الموشحات، وحنين المدن، وجمال الصورة، حتى صار الشعر عندهم مرآة للبهجة والفقد معًا.

ومع اختلاف هذه العصور، وتباين بيئاتها وأساليب شعرائها، تبقى الحقيقة ثابتة: أن المبدع الحقيقي لا يكتمل بنصه وحده، بل بأثره في الناس. فالقصيدة قد تمنح صاحبها شهرة، والرواية قد تفتح له باب الحضور، والقصة قد تصنع له اسمًا؛ لكن الأخلاق وحدها هي التي تمنح ذلك الاسم احترامًا وبقاء.

إن من يكتب عن الجمال أولى به أن يكون جميل المعشر ومن يكتب عن الإنسان أولى به أن يحترم الإنسان ومن يرفع راية الأدب، لا يليق به أن يسقط في فظاظة القول أو قسوة التعامل. فالأدب، في أصفى معانيه، ليس مهنة كتابة فقط بل مسؤولية ذوق وتهذيب حضور، وصدق أثر.

كاتبة رأي

 

 

رؤى مصطفي

كاتبة رأي ومستشارة إعلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى