تغطيات

«فضاءات نقدية» يختتم حواراته

«فضاءات نقدية» يسدل الستار على أعماله بعد يومين من الحوار الثقافي والمعرفي

الرياض – رؤى مصطفى

اختتم ملتقى «فضاءات نقدية» في نسخته الثانية، الذي حمل عنوان «تجليات الفروسية في الثقافة العربية: الرمز والجمال والهوية»، أعماله بعد يومين من الحوار الثقافي والمعرفي الذي أعاد تأمل الفروسية في الثقافة العربية، لا بوصفها صورة من زمن الخيل والسيوف فحسب، بل باعتبارها مفهوما ثقافيا وإنسانيا ممتدا ظل حاضرا في الوجدان العربي بما يحمله من معاني الشجاعة والمروءة والنجدة والسمو والجمال.

فالفروسية في معناها العربي لم تكن مجرد مهارة قتالية ارتبطت بالحرب والتنقل، بل كانت منظومة قيمية متكاملة تتداخل فيها الأخلاق بالبطولة، والقوة بالعدل، والهيبة بالمعنى، حتى غدت جزءا من التصور العربي للإنسان النبيل الذي يجمع بين الإقدام والحكمة، وبين الحضور الجسدي والسمو الأخلاقي. ومن هنا جاء الملتقى ليعيد قراءة هذا المفهوم من زوايا متعددة، كاشفا عن تجلياته في التاريخ والأدب والسرد الشعبي والفنون والوعي الجمعي.

واستهل الملتقى أعماله في يومه الأول بحضور صاحب السمو الأمير فيصل بن عبدالله بن محمد آل سعود، ثم توالت الكلمات الافتتاحية، حيث ألقى حسن النعمي كلمة رئيس مجلس الإدارة، وتحدث معجب العدواني بصفته أمين عام البرنامج، كما قدم عبدالله مفتاح عرضا لمنجزات الجمعية، قبل أن تنطلق الجلسات العلمية التي توزعت على عدد من المحاور، واقتربت من الفروسية بوصفها بنية رمزية وثقافية تتجاوز حدود معناها التراثي المباشر.

وفي اليوم الأول، أدار عبدالله وافية الجلسة الأولى، وفيها قدم أحمد الزيلعي ورقة بعنوان «الخيل والفروسية في الآثار والمخطوطات من خلال مدونة الفروسية الصادرة عن مكتبة الملك عبدالعزيز العامة عام 1421هـ»، مستعرضا حضور هذا المعنى في الشواهد القديمة وما تحفظه المدونات من إشارات تؤكد رسوخ صورة الفارس والخيل في الوعي العربي.

وأدارت فاطمة القبيسي الجلسة الثانية التي شهدت تنوعا في المقاربات، إذ قدمت حصة المفرح ورقة بعنوان «الجسد والفروسية والهوية البطولية في السير الشعبية: دراسة مقارنة بين سيرتي عنترة بن شداد وأبي زيد الهلالي»، فيما قدم علي المالكي ورقة بعنوان «الفروسية بين الأدب العربي والأدب الفرنسي: عنترة بن شداد وسيرانو دي برجراك أنموذجا»، وطرح محمد راضي الشريف قراءة بعنوان «الفروسية العربية: منظومة قيمية رمزية.. مقاربة تاريخية ثقافية للمتن العربي المبكر»، في تأكيد على أن الفروسية ليست مجرد أثر من آثار الماضي، بل نسق ثقافي متصل بالقيم والرموز والهوية.

أما الجلسة الثالثة، التي أدارتها بدور الفصام، فقد اتجهت إلى توسيع المعنى الفكري والثقافي للفروسية، حيث قدم عبدالله الحامد ورقته «فروسية العقل اعتراف الذات بإنصاف الآخر»، فيما تناول محمد اللويش «شعر الفروسية بين يقين المتنبي وقلق جيفري تشوسر: مقاربة ثقافية مقارنة»، بما فتح أفقا أوسع لقراءة الفروسية بوصفها مفهوما يتجلى في الفكر كما يتجلى في الشعر والموقف.

وفي الجلسة الرابعة، التي أدارها محمد عاتي، استعرض حسين أبو الفرج ورقة بعنوان «الفروسية في الأدب العربي: من التجربة التاريخية إلى الرمز»، فيما قدمت رانية العرضاوي قراءة بعنوان «صورة الفارس العربي قديما وحديثا: قراءة فينومينولوجية»، وهي أوراق أبرزت التحول الذي أصاب صورة الفارس من كونها تمثيلا لبطولة تاريخية إلى رمز ثقافي وجمالي ظل قادرا على البقاء في الذاكرة العربية.

أما اليوم الثاني، فجاء امتدادا لهذا المسار النقدي، متجها إلى توسيع أفق القراءة في تجليات الفروسية داخل الفنون والوعي الجمعي والرياضات التراثية. ففي الجلسة الخامسة، التي أدارتها هيفاء حمدان، طُرحت أوراق تناولت السلاح والزي والخيل في العرضة السعودية من الوظيفة إلى الرمز الثقافي، وقدمها عبدالله العمري وأمينة الجبرين، كما قدمت زكية العتيبي ورقة بعنوان «الصورة المضمرة للفارس في قصائد وصف الخيل: مقارنة وصف الخيل عند الأمير خالد الفيصل والملك الضليل امرئ القيس»، فيما تناولت منال العمري التباين الجندري في الفن التشكيلي السعودي من خلال صورة الفارس والفارسة.

وفي الجلسة السادسة، التي أدارتها عبير الجربوع، اتجهت الأوراق إلى الوعي الجمعي والشعر الشعبي والرياضات التراثية، حيث قدم علي الحمود ورقة بعنوان «تشكل صورة الفارس العربي في الوعي الجمعي عبر التاريخ»، وقدم صغير العنزي قراءة بعنوان «تمثيلات الفارس في شعر المرأة الشعبي السعودي»، فيما تناول محمد الخزي «انعكاس الفروسية في الرياضات التراثية المعاصرة»، في امتداد يؤكد أن الفروسية لم تبق حبيسة الماضي، بل واصلت حضورها في صور ثقافية متجددة.

وكشف هذا التنوع في الموضوعات عن سعة المفهوم الذي انطلق منه الملتقى، إذ لم تعد الفروسية مجرد استدعاء لصورة الفارس في لحظة تاريخية مضت، بل غدت مدخلا لقراءة أنماط متعددة من التمثيل الثقافي الذي استقر في الشعر والإنشاد والفنون البصرية والاحتفالات الشعبية والرياضات الموروثة. وبدا الملتقى بذلك وكأنه يقرأ الفروسية بوصفها لغة رمزية تتجدد، لا لأنها تنتمي إلى الماضي فحسب، بل لأنها ما تزال قادرة على التعبير عن معان إنسانية لا تبلى، تتصل بالشجاعة والكرامة والانضباط والجمال.

وفي ختام الملتقى، التقط المشاركون والمنظمون الصور التذكارية، في مشهد أسدل الستار على يومين من الحوار الثقافي الذي أعاد للفروسية مكانتها بوصفها رمزا يتجاوز حدود الزمن، ويظل حاضرا في اللغة والقصيدة والفن والوجدان.

رؤى مصطفي

كاتبة رأي ومستشارة إعلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى