*سوق الوشاية*

*سوق الوشاية*
*✒️محمد عمر المرحبي*
في حياة الناس أخبار كثيرة تتناقلها الألسن كل يوم لكن ليست كل الأخبار بريئة وليست كل الكلمات التي تُنقل من مجلس إلى آخر تهدف إلى الخير أو الإصلاح فهناك من جعل من نقل الكلام هواية ومن تتبع الأخبار وسيلة ومن الوشاية طريقاْ للوصول إلى قلوب الناس وكسب رضاهم.
ومن الأخطاء التي يقع فيها البعض أنهم يمنحون ثقتهم سريعاْ لكل من يأتيهم بخبر عن شخص آخر خصوصاْ إذا كان الخبر يحمل انتقاداْ أو إساءة أو كلاماْ يثير الغضب وقد يظن المستمع أن ناقل الخبر شخص حريص على مصلحته بينما الواقع قد يكون مختلفاْ تماماْ
ففي كثير من الأحيان لا يكون الهدف من نقل الكلام هو النصح وإنما محاولة التقرب إلى الآخرين أو صناعة مكانة اجتماعية أو إشعال خلافات لا وجود لها في الأصل ولهذا فإن الإنسان الحكيم لا يتعامل مع الأخبار المنقولة باعتبارها حقائق نهائية بل يضعها في موضع التثبت والتحقق قبل أن يبني عليها موقفاْ أو حكماْ
المشكلة أن الوشاية لا تقف عند حدود شخص معين بل تمتد آثارها إلى العلاقات الأسرية والاجتماعية والعملية كم من صديقين افترقا بسبب كلمة منقولة وكم من قريبين تقاطعا بسبب حديث لم يُنقل كما قيل وكم من علاقة جميلة انتهت لأن أحدهم صدق ناقلاْ أكثر مما صدق من عرفه سنين طويلة
والأخطر من ذلك أن بعض الناس لا يدرك طبيعة من ينقل الكلام فالشخص الذي يجلس معك اليوم ليخبرك بما قيل عنك قد يجلس غداْ مع غيرك ليحدثه عما قلته أنت لأن المشكلة ليست في الخبر نفسه بل في السلوك الذي اعتاد عليه صاحبه ومن اعتاد أن يجعل أسرار الناس وأحاديثهم مادة للمجالس فلن يتوقف عند شخص دون آخر
ولهذا كان العقلاء دائماْ يتعاملون بحذر مع ناقلي الأخبار لا لأنهم يرفضون معرفة الحقائق بل لأنهم يدركون أن الحقيقة لا تُؤخذ من طرف واحد وأن الكلمة حين تنتقل بين الناس قد يضاف إليها ما ليس فيها أو يُحذف منها ما يغير معناها أو تُفسر بطريقة تختلف عن مقصد قائلها
إننا اليوم نعيش في زمن أصبحت فيه الأخبار تنتقل بسرعة كبيرة ليس في المجالس فقط بل عبر وسائل التواصل المختلفة وأصبح من السهل على البعض أن ينقل كلمة أو موقفاْ أو تعليقاْ دون التأكد من صحته ثم تنتشر الرواية حتى تبدو وكأنها حقيقة ثابتة وهنا تتضاعف المسؤولية لأن الضرر لم يعد يقتصر على أفراد معدودين بل قد يمتد إلى مجتمع كامل.
إن بناء العلاقات الإنسانية يحتاج إلى الثقة والوضوح وحسن الظن بينما تقوم الوشاية على الشك وسوء الظن والتأويل الخاطئ ولهذا لا يمكن أن يجتمعا في مكان واحد. فكلما اتسعت مساحة الوشاية ضاقت مساحة الثقة وكلما انتشر نقل الكلام ضعفت الروابط بين الناس.
ومن علامات النضج أن يتعلم الإنسان ألا يصدق كل ما يسمع وألا يجعل أذنه ممراْ لكل حديث وأن يدرك أن بعض الأخبار لا تستحق حتى أن تُنقل فضلاْ عن أن تُصدق فالعاقل لا يبني مواقفه على كلام عابر ولا يسمح لأحد أن يفسد علاقاته بكلمات قد لا يكون لها من الحقيقة إلا جزء يسير
وفي النهاية تبقى قاعدة بسيطة لكنها عميقة المعنى: لا تمنح ثقتك بسهولة لمن اعتاد نقل الكلام بين الناس فالأمين يحفظ الحديث أما ناقل الوشاية فإنه يبحث دائمًا عن مجلس جديد وبضاعة جديدة. ومن جعل من أخبار الناس تجارة فلن يتردد يوماْ في أن يجعل أخبارك جزءًا من تجارته.
كاتب رأي
