التربية في زمن الشاشات

التربية في زمن الشاشات
الكاتب : د. أبوحماد ناصر الانصاري المليباري- الهند
في ظلِّ تسارعِ الحياةِ المعاصرة، تبرز قضية تربية الأبناء بوصفها من أعظم التحديات التي تواجه الأسرة المسلمة اليوم، خاصة في زمن أصبحت فيه الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي والتأثيرات الرقمية في تشكيل شخصية الطفل وعقله. ومن هنا تتجلّى عظمة الحديث النبوي الذي ورد في مسند أبي يعلى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أول من يفتح له باب الجنة، إلا أنه تأتي امرأة تبادرني، فأقول لها: مالك؟ من أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدت على أيتام لي. قال الشيخ حسين أسد: إسناده جيد.
حيث يكشف الحديث عن المنزلة العظيمة للمرأة التي صبرت على تربية أبنائها ورعايتهم حتى استحقت مقامًا رفيعًا عند الله. وإذا كانت تلك المرأة قد بلغت هذه الدرجة بسبب صبرها واهتمامها بالأيتام، فإن واقع كثير من الأسر اليوم يدعو إلى التأمل؛ فبعض الأمهات ـ إلا من رحم الله ـ أصبحن منشغلات بمظاهر الحياة ومتابعة العالم الرقمي أكثر من متابعة أبنائهن، حتى صار بعض الأطفال يتربون أمام الشاشات أكثر مما يتربون في أحضان الأسرة. إن التربية في الإسلام ليست توفير الطعام واللباس فقط، بل هي بناء للإيمان والأخلاق والهوية، وغرسٌ للقيم في نفوس الأبناء، ولذلك فإن الطفل قد ينسى كثيرًا من تفاصيل حياته المادية، لكنه لا ينسى حضنًا دافئًا، أو كلمةً صادقة، أو جلسة قرآن مع أمه. ومن أخطر ما نراه في عصرنا ظهور ما يمكن تسميته بـ”يُتم التربية”، حيث يعيش بعض الأبناء بين والديهم لكنهم يفتقدون التوجيه والحنان والحوار، فينشؤون في عزلة نفسية وروحية رغم توفر الوسائل المادية. ومن هنا فإن الحديث النبوي يحمل رسالة عميقة إلى أمهات العصر: أن أعظم إنجاز للمرأة ليس الشهرة ولا الانشغال بالمظاهر، بل صناعة جيل صالح يحمل الإيمان والأخلاق، لأن الأم التي تُحسن التربية قد تصنع إنسانًا ينفع الأمة، وتنال بصبرها وتضحيتها منزلةً عظيمة عند الله، كما نالتها تلك المرأة التي سبقت إلى باب الجنة برحمتها وصبرها على أبنائها.
كاتب رأي