رسائل حُذفت

رسائل حُذفت
بقلم : د.جواهر الروقي
@joj_alrogi
أحيانًا نخوض حوارًا طويلًا مع أحدهم، نخرج منه ونحن نظن أننا قلنا ما يكفي، وأن الفكرة وصلت، وأن المساحة التي كانت بيننا من سوء الفهم قد ضاقت، بل وربما نظن أن الحوار أثمر وأزهر، وأن كل طرف أصبح أكثر قدرة على فهم الآخر ، نغادر الحديث بشعور من الطمأنينة، وكأننا أغلقنا صفحة كانت بحاجة إلى بعض الكلمات حتى تستقيم ، ثم يأتي اليوم التالي، وتظهر إشارة صغيرة، أو تصرف عابر، أو رسالة قصيرة، فتكتشف أن ما ظننته قد وصل لم يصل كما اعتقدت، وأن الحوار الذي ظننته نقطة اتفاق ربما لم يكن عند الطرف الآخر سوى نقطة عابرة في حديث طويل.
وهنا تبدأ الحيرة ، هل كان الحوار بلا أثر؟ أم أننا بالغنا في تفسير أثره؟
ربما مشكلتنا أننا كثيرًا ما نقيس فهم الآخرين لنا من خلال الطريقة التي نحن نفهم بها الأشياء ، فإذا شرحنا موقفًا بصدق، افترضنا أن الطرف الآخر تلقاه بالصدق نفسه، وإذا اعتذرنا لأننا أدركنا خطأً، توقعنا أن يدرك الآخر خطأه بالطريقة ذاتها، وإذا تحدثنا بنية الإصلاح، افترضنا أن نيتنا ستصل إليه كما هي، وكأن الكلمات تنتقل من عقل إلى عقل دون أن تمر عبر تجارب وذاكرة ومواقف وتفسيرات مختلفة ، لكن بعض البشر لا يعملون بهذه البساطة.
ولهذا أحيانًا أتمنى لو أن العقول تعمل كما تعمل الآلة؛ لأن الآلة لا تحمل عليك موقفًا قديمًا لتفسر به موقفًا جديدًا، ولا تعيد ترتيب الكلمات وفق تجربة سابقة، ولا تبحث بين السطور عن معنى لم تقصده ، في عالم الآلة، واحد زائد واحد يساوي اثنين، أما في عالم البشر فقد تكون النتيجة اثنين، وقد تكون صفرًا، وقد تكون رقمًا لا علاقة له بالحساب أصلًا!
لأن المشكلة ليست دائمًا في الرسالة، بل في البرنامج الذي يستقبلها.
قد تقول جملة واحدة وتقصد بها الاحتواء، فيستقبلها الآخر على أنها تقليل ، وقد تطرح ملاحظة بقصد التصحيح، فيقرأها الطرف الآخر بوصفها انتقادًا ، وقد تصمت لأنك لا تريد التصعيد، فيُفسَّر صمتك على أنه تجاهل ، وقد تشرح كثيرًا لأنك حريص على أن يفهمك الآخر، فيرى كثرة الشرح محاولة لتبرير موقفك ، وهنا ندرك أن الحوار لا ينتهي عندما تنتهي الكلمات، وإنما يبدأ أثره الحقيقي بعد أن تنتهي.
وربما لهذا السبب تحمل بعض الرسائل قيمة أكبر بعد حذفها؛ لأنها تذكرنا بأننا أحيانًا نكتب كثيرًا لنشرح أنفسنا، بينما يحتاج الآخر إلى شيء مختلف تمامًا حتى يفهمنا ، فنحن لا نتحدث إلى كلمات، بل إلى عقول لكل عقل تاريخ مختلف، وتجارب مختلفة، ومخاوف مختلفة، وطريقة مختلفة في تفسير الأشياء ، ومن أكثر الأمور التي تعلمتها أن نجاح الحوار لا يُقاس بجماله في لحظته، وإنما بما يتركه بعد انتهائه ، قد يكون الحوار هادئًا، متزنًا، مليئًا بالتفاهم، ومع ذلك لا يكون قد غيّر شيئًا في الداخل ، وقد يكون حوارًا قصيرًا جدًا، لكنه يترك في النفس سؤالًا يعيد ترتيب كثير من الأشياء ، لذلك لا ينبغي أن نستعجل الحكم على أثر كلماتنا.
ليس كل من قال «فهمت» قد فهم، وليس كل من صمت قد اقتنع، وليس كل من ابتسم قد تجاوز، وليس كل حوار جميل يعني بالضرورة أن الرسالة وصلت إلى المكان الذي أردناها أن تصل إليه ، وربما علينا نحن أيضًا أن نتوقف عن محاولة قراءة العقول من خلال الإشارات الصغيرة، وأن نعطي الحوار فرصة لأن يكون حوارًا، لا اختبارًا للنوايا.
أما «الرسائل المحذوفة» التي كتبت ثم تراجعنا عنها، أو الكلمات التي قلناها ثم تمنينا لو أننا لم نقلها، أو الحوارات التي انتهت وبقي أثرها فينا، فهي في النهاية جزء من طبيعتنا البشرية؛ فنحن لا نملك نظامًا داخليًا يعيد كل شيء إلى مكانه الصحيح بمجرد الضغط على زر ، نحن بشر، نخطئ في الفهم كما نخطئ في التعبير، ونحسن الظن أحيانًا أكثر مما ينبغي، ونسيء تفسير الأشياء أحيانًا أكثر مما تستحق.
ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من ذلك كله أن ليس كل حوار يحتاج إلى نتيجة، وليس كل نتيجة تحتاج إلى تفسير، وليس كل صمت يعني فشل الحوار ، فبعض الرسائل تصل متأخرة، وبعضها يصل ناقصًا، وبعضها لا يصل أصلًا، وبعضها نكتشف بعد وقت طويل أننا نحن من كتبناه بالطريقة الخطأ.
ولهذا، قبل أن نحذف الرسالة الأخيرة، ربما يجدر بنا أن نسأل أنفسنا: هل أرسلت ما أردت قوله فعلًا، أم أرسلت ما أردت أن يفهمه الآخر؟
فبين الاثنين… مسافة قد لا تقطعها ألف رسالة .
كاتبة رأي