*حين اجتمع الجميع*

*حين اجتمع الجميع*
بقلم: د. جواهر الروقي
في موسم حج 1447هـ لم يكن المشهد مجرد ملايين الحجاج يؤدون مناسكهم، بل كان لوحة استثنائية من التكامل والتنظيم والعطاء. فمنذ لحظة وصول الحجاج وحتى مغادرتهم، كانت هناك منظومة كاملة تعمل في تناغم لافت؛ وزارات وهيئات، جهات حكومية وخاصة، جمعيات غير ربحية، سفارات، إعلاميون، متطوعون، عسكريون ومدنيون، مواطنون ومقيمون، جميعهم اجتمعوا على هدف واحد: خدمة ضيوف الرحمن وتمكينهم من أداء نسكهم بأمن ويسر وطمأنينة.
وأنا أتأمل هذا المشهد، تذكرت قصة سبأ ، قد يظن البعض أن قصة سبأ تدور حول انهيار سد أو نهاية حضارة، لكنها في حقيقتها تبدأ بمشهد مختلف تماماً؛ مشهد أمة اجتمعت لها أسباب القوة والرخاء والتنظيم ، فقد وصفها القرآن الكريم بأنها أرض مباركة، تنعم بالأمن والاستقرار ووفرة الخيرات، حتى أصبحت مثالاً للحضارة التي أحسنت استثمار مواردها وبناء مقومات نهضتها.
ولم تكن تلك الحضارة قائمة على وفرة الموارد وحدها، بل على منظومة متكاملة من العمل والتنظيم والتعاون ، فكل إنجاز عظيم يبدأ حين تدرك المجتمعات أن النجاح لا يصنعه فرد، بل تصنعه الجهود حين تتكامل والأدوار حين تتناغم ، وهذا ما رأيناه في موسم الحج هذا العام.
فالحاج الذي انتقل بين المشاعر المقدسة بسلاسة، وأدى مناسكه بأمان وراحة، يرى النتيجة النهائية فقط، لكنه قد لا يرى آلاف الخطط والاجتماعات والكوادر والقرارات التي وقفت خلف هذا النجاح ، وقد لا يرى حجم الجهد الذي بذله العاملون والمتطوعون ورجال الأمن والإعلاميون ومختلف الجهات التي سخرت إمكاناتها لخدمة ملايين البشر في وقت ومكان محددين ، إن نجاح الحج ليس نجاح جهة واحدة، بل نجاح منظومة كاملة آمنت بأن خدمة الحاج مسؤولية مشتركة. ولذلك بدا المشهد وكأن الجميع يعمل بروح واحدة، رغم اختلاف المهام والمسؤوليات.
لقد علمتنا قصة سبأ أن النعم لا تقوم على وجود الإمكانات فحسب، بل على حسن إدارتها والمحافظة عليها وشكرها ، كما يعلمنا الحج في كل عام أن أعظم الإنجازات تتحقق عندما تتوحد الجهود خلف هدف سامٍ تتجاوز فيه المصلحة العامة كل اعتبار آخر ، وفي حج 1447هـ رأينا هذا المعنى متجسداً على أرض الواقع؛ حيث اجتمع الجميع على خدمة ضيوف الرحمن، فكان النجاح ثمرة للتكامل، وكانت الطمأنينة التي عاشها الحجاج صورة من صور النعمة التي تستحق الشكر.
ولعل الفرق بين مشهد سبأ ومشهد الحج اليوم أن قصة سبأ جاءت في القرآن تذكيراً بأهمية المحافظة على النعم وأسباب بقائها، بينما يقدم الحج في كل عام نموذجاً عملياً لكيف تُصان هذه النعم بالعمل المشترك والتخطيط والمسؤولية ، وعندما غادر الحجاج إلى أوطانهم حاملين ذكريات الرحلة الإيمانية، بقي خلفهم درسٌ عظيم؛ أن الأمم تزدهر حين يعمل أبناؤها ومؤسساتها بروح الفريق الواحد، وأن أعظم الإنجازات تبدأ عندما يدرك الجميع أن نجاح المهمة مسؤولية مشتركة.
وهكذا لم يكن حج 1447هـ مجرد موسم ناجح، بل رسالة متجددة تؤكد أن التكامل يصنع الإنجاز، وأن شكر النعمة يكون بحسن العمل، وأن اجتماع الجهود على الخير يظل أعظم أسباب دوام النعم وأستمرارها .
كاتبة رأي