SOLD OUT من المسؤول عندما ينفذ الإنسان؟

SOLD OUT
من المسؤول عندما ينفذ الإنسان؟
بقلم د.جواهر الروقي
@joj_alrogi
بحكم عملي، أجد نفسي كثيرًا أمام مشهد يتكرر بأشكال مختلفة ؛ موظف استقال… موظف تراجع أداؤه…
موظف أخطأ… موظف فقد حماسه… وقبل أن تُطرح الأسئلة الحقيقية، يأتي السؤال المعتاد:
أين كانت الموارد البشرية؟
لا أعترض على دور الموارد البشرية، بل أؤمن أنه دور محوري في المحافظة على رأس المال البشري وتنميته ، لكن ما يلفت انتباهي هو أننا كثيرًا ما نتعامل مع الموارد البشرية وكأنها مسؤولة عن كل شيء، بينما نتجاهل أن الإنسان نفسه، ومديره، وبيئة العمل، وثقافة المؤسسة، جميعهم شركاء في صناعة النتيجة.
لهذا كلما سمعت عبارة “Sold Out” المعلقة على متجر أو منتج أو خدمة، فكرت في معناها الأوسع ، ففي الواقع، ليس المنتج وحده ما ينفذ ، الإنسان أيضًا قد ينفذ .
قد يصبح Sold Out من الصبر.
Sold Out من الشغف.
Sold Out من الطاقة.
Sold Out من الأمل.
لكن الفرق أن نفاد البضاعة يظهر على لوحة إلكترونية، بينما نفاد الإنسان غالبًا لا يراه أحد ، في المؤسسات لا يستقيل الموظف المتميز في يوم واحد، كما أن العلاقات لا تنهار في لحظة، والصحة لا تتدهور فجأة، والاحتراق الوظيفي لا يولد بين ليلة وضحاها ، كل ذلك يمر بمراحل من الاستنزاف الصامت ، وهنا أتأمل دوائر الحياة التي يتحرك داخلها كل إنسان ، الدائرة الإيمانية، والصحية، والنفسية، والأسرية، والاجتماعية، والمهنية، والمعرفية ، سبعة أرصدة نسحب منها كل يوم.
والمفارقة أن معظم الناس يراقبون أرصدتهم البنكية بدقة، لكنهم لا يراقبون أرصدة حياتهم بالاهتمام نفسه ، قد يزداد الرصيد المالي بينما يتناقص رصيد الصحة ، وقد يرتفع المنصب بينما يهبط رصيد الأسرة ، وقد ينجح الإنسان مهنيًا بينما يخسر شيئًا من نفسه في الطريق.
وفي رأيي أن أعظم ما يميز المنهج النبوي أنه لم ينظر إلى الحياة بمنطق الجزء المنفصل، بل بمنطق التوازن ، فعندما قال النبي ﷺ: «اغتنم خمسًا قبل خمس»، لم يكن الحديث عن الخسارة بعد وقوعها، بل عن إدارة المورد قبل نفاذه ، إنها فلسفة تقوم على الوعي بالمؤشرات المبكرة.
وهو ما تؤكده اليوم العلوم الإدارية والسلوكية؛ فكل الدراسات المتعلقة بالاحتراق الوظيفي والإجهاد النفسي تؤكد أن الانهيار النهائي ليس حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة تراكمات صغيرة لم يتم التعامل معها في الوقت المناسب ، من هنا أرى أن أخطر عبارة ليست “Sold Out”.
بل العبارة التي تسبقها.
الإشارات التي لم نقرأها.
والتنبيهات التي تجاهلناها.
والأشخاص الذين ظننا أنهم بخير لأنهم لم يشتكوا.
فليس كل من يبتسم بخير.
وليس كل من يحضر منتجًا.
وليس كل من يؤدي عمله ما زال يملك الشغف نفسه.
وفي بيئات العمل تحديدًا، لا ينبغي أن يكون سؤالنا: من المسؤول بعد أن نفد المخزون؟
بل: كيف نحافظ على المورد قبل أن يصل إلى مرحلة النفاد؟
لأن الحكمة ليست في إدارة الأزمات فقط، بل في منعها قبل أن تبدأ.
ولأن بعض ما يصبح Sold Out يمكن تعويضه، بينما بعض الأشخاص والفرص واللحظات إذا غادرت، فإنها تترك فراغًا أكبر من أن يملأه بديل ، لهذا لم تعد عبارة Sold Out بالنسبة لي تعني انتهاء منتج أو خدمة ، بل أصبحت تذكيرًا يوميًا بأن كل شيء في الحياة يملك رصيدًا… وأن مسؤوليتنا الحقيقية هي أن نعرف كيف نحافظ عليه قبل أن ينفذ.
كاتبة رأي