الزجل.. شعرُ الناس ولسانُ الحياة

الزجل.. شعرُ الناس ولسانُ الحياة
بقلم: بكري عساس
يُعد الزجل أحد أبرز فنون الأدب الشعبي العربي، وهو شعر يُكتب باللهجات المحلية ويتميز بالعفوية والارتجال وسرعة البديهة. ازدهر في الأندلس ثم انتقل إلى بلاد الشام والمغرب، وأصبح لونًا أدبيًا يعبر عن حياة الناس وأفراحهم وهمومهم، ويجمع بين الطرافة والحكمة والقدرة على مخاطبة الجمهور مباشرة.
وقد عرف التراث العربي عددًا من كبار شعراء الزجل، ولا سيما في لبنان، مثل خليل شحرور الوادي، وعلى الحاج، وأنيس روحانا، وطانيوس عبده، الذين اشتهروا بالمناظرات الشعرية المرتجلة التي كانت تستقطب جمهورًا واسعًا، وتعتمد على سرعة الخاطر وقوة اللغة والقدرة على الرد الفوري.
كما كان لمكة المكرمة نصيبها من هذا الفن الشعبي؛ إذ اشتهر عدد من الزجالين الذين تغنوا بأحيائها وأهلها، وانتقلت أبياتهم شفهيًا بين الناس حتى أصبحت جزءًا من الذاكرة الشعبية، ومن ذلك الأبيات التي تصف الحجون والعتيبية والمسفلة وجرول، وهي تعكس روح المجتمع المكي في ذلك الزمن.
وتظل القصة الشهيرة التي جمعت عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين بشعراء الزجل اللبنانيين من أجمل الشواهد على قيمة هذا الفن؛ فقد دخل القاعة متشككًا في قدرة الشعراء على الارتجال، لكنه خرج منها مصفقًا بإعجاب بعدما شهد سرعة بديهتهم وتدفق إبداعهم في مناظرة طريفة أصبحت من أشهر حكايات الأدب الشعبي.
إن الزجل ليس مجرد شعر للتسلية، بل هو سجل اجتماعي وثقافي يحفظ تفاصيل الحياة اليومية، ويعكس هوية المجتمعات وذاكرتها، ويؤكد أن الإبداع الشعبي قادر على منافسة أرقى الفنون الأدبية حين يمتزج بالموهبة والصدق وحضور الذهن.
كاتب رأي
