الشطر المفقود

الشطر المفقود
حين يصبح الشعر مفتاح الحكاية الشعبية
تقوم الحكايات الشعبية في كثير من الأحيان على عناصر الغموض والبحث عن المفقود واكتشاف الأسرار، وهي عناصر تمنح السرد جاذبيته وتدفع المتلقي إلى متابعة الأحداث حتى النهاية. ومن الوسائل الفنية اللافتة التي استخدمها الرواة الشعبيون ما يمكن تسميته بـ«الشطر المفقود»، إذ يتحول بيت شعر ناقص إلى مفتاح يكشف حقيقة خفية ويقود إلى حل عقدة الحكاية.
ومن أجمل الأمثلة على ذلك حكاية «جمعان وزوجته وصديقه» الواردة في كتاب «أساطير شعبية من قلب الجزيرة العربية» لعبد الكريم الجهيمان. ففي هذه الحكاية يترك صديق البطل بيتاً شعرياً ناقصاً على جدار المنزل بعد أن أفشل محاولة خيانة دبرتها زوجة صديقه أثناء غيابه. وعندما يعود جمعان ويقرأ الأبيات يدرك أن الشطر المفقود يخفي سراً مهماً، فيبدأ رحلة طويلة بحثاً عمن يستطيع إكماله.
وتقوده رحلته إلى إحدى قبائل الحجاز، حيث تنجح فتاة ذكية في استنباط الشطر الناقص، فينكشف السر وتظهر حقيقة زوجته الخائنة. وهنا لا يكون الشطر الشعري مجرد عنصر جمالي، بل أداة سردية تؤدي دور «الشفرة» التي تكشف المستور وتحسم مسار الأحداث.
وتتكرر الفكرة نفسها في الرواية الشعبية الخاصة بمقتل الزير سالم (المهلهل). فابنته الصغرى تدرك أن بيت الشعر الذي نقله قاتلا أبيها ناقص، وتتمكن بفطنتها من استكماله، فتكتشف جريمة القتل التي حاول الجانيان إخفاءها. وتؤكد هذه الحكاية، كما في قصة جمعان، أن الذكاء والفطنة قادران على كشف الحقيقة مهما طال الزمن.
وتكشف المقارنة بين الحكايتين عن حضور نمط سردي مشترك يقوم على وجود رسالة ناقصة أو شفرة خفية لا يستطيع فكها إلا شخص يتمتع بذكاء استثنائي. كما تبرز المكانة التي احتلها الشعر في الذاكرة الشعبية العربية، حيث لم يكن وسيلة للتعبير الفني فحسب، بل أداة لحفظ الأسرار وكشفها أيضاً.
وفي النهاية، يبدو «الشطر المفقود» أكثر من مجرد تفصيل شعري عابر؛ فهو مفتاح للحقيقة وعنصر تشويق بارع يمنح الحكاية الشعبية عمقها وجاذبيتها، ويؤكد أن رحلة البحث عن المعنى كانت دائماً جزءاً أساسياً من متعة السرد الشعبي.
كاتب رأي
