الركن الرياضي

الجمهور .. العمود الثابت في خيمة النادي

الجمهور .. العمود الثابت في خيمة النادي

عبدالمحسن محمد الحارثي 

في كرة القدم، كل شيء تقريبًا قابل للتغيير؛ اللاعب يرحل، والمدرب يتبدل، والرئيس يغادر، والمدير التنفيذي يأتي بغيره، وحتى المالك والاستراتيجية قد يتغيران.

لكن هناك شيئًا واحدًا يجب أن يبقى ثابتًا: الجمهور.

فالجمهور ليس رقمًا في المدرجات، ولا مستهلكًا لتذكرة أو قميص؛ إنه العمود الثابت في خيمة النادي، وكل ما عداه متحرك.

لقد دخل الاستثمار المؤسسي إلى الرياضة السعودية، وتطورت الحوكمة، واستُقطبت النجوم، واتسعت صناعة كرة القدم، وأصبح النادي مشروعًا رياضيًا واقتصاديًا له أبعاده الجديدة. وهذا تحول مهم ومستحق.

لكن التطور لا ينبغي أن يجعل المشجع آخر من يعلم، وأول من يُطلب منه التصفيق.

ويختصر جيمس ميلنر، لاعب إنجلترا ومانشستر سيتي السابق، هذه الحقيقة بقوله: “اللاعبون والمدربون ورؤساء الأندية يأتون ويذهبون، لكن الجماهير موجودة دائمًا؛ إنهم نبض النادي”. وقد قالها تقديرًا لجماهير مانشستر سيتي، مؤكدًا أنها «روح النادي وحياته».

وهذه ليست مجاملة للاعبين ومدرجاتهم؛ إنها قاعدة في كرة القدم: ما يتغير كثير، وما يبقى قليل؛ والجمهور هو الباقي.

الجمهور لا يريد أن يدير النادي؛ فهذه مسؤولية الإدارة وأهل الاختصاص. لكنه يريد أن يفهم مشروع ناديه، وأن يعرف وجهته، وأن يسأل وينتقد ويختلف؛ أي أن يكون شريكًا في الوعي بالنادي، لا مجرد متلقٍ لقراراته.

فاللاعب يصنع لحظة الانتصار، لكن الجمهور هو الذي يمنح النادي ذاكرته.

هو الذي يعرف قيمة الشعار قبل قيمته التسويقية، والقميص قبل سعره، والبطولة قبل عائدها التجاري. وهو الذي يحمل حكاية النادي من جيل إلى جيل، حتى يصبح الشعار جزءًا من ذاكرة العائلة.

لكن المشجع لا يريد ناديًا يفوز فقط؛ يريد ناديًا يشعر به.

يريد أن يفرح لأن الفوز يعنيه، لا لأنه مجرد نتيجة ظهرت على الشاشة. وحين تتكرر التغييرات بلا هوية واضحة، يتحول المشجع من عاشق يعيش التفاصيل إلى متفرج يراقبها؛ وكأنه يشاهد فيلمًا سبق أن شاهده، يعرف بعض مشاهده قبل أن تبدأ.

وهنا تبدأ المسافة الخطرة بين النادي ومدرجه.

ولهذا ؛ فإن الاستثمار الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند اللاعبين والمنشآت؛ بل يجب أن يمتد إلى العلاقة مع الجمهور: الاستماع إليه، واحترامه، وفتح قنوات حقيقية للتواصل معه، وإشعاره بأن ناديه مشروع مستقر، لا موسم ينتظر دوره.

فالجمهور الواعي ليس خصمًا للإدارة؛ بل هو رقيبها الطبيعي.

يصفق حين تنجح، وينتقد حين تخطئ، ويمنحها الثقة حين يرى مشروعًا واضحًا، ويسأل حين تضطرب البوصلة.

وأخطر ما يمكن أن يحدث للنادي ليس أن يخسر مباراة، وإنما أن يفقد حرارة جمهوره.

فاللاعب يمكن استقدامه، والمدرب يمكن تغييره، والملعب يمكن بناؤه، والمال يمكن ضخه.

أما الشغف فلا يُشترى.

الشغف يُصان.

وهنا تكمن الحقيقة التي يجب ألا تغيب في عصر الاستثمار الرياضي:

قد تتغير ملكية النادي القانونية، لكن لا تتغير ملكيته العاطفية.

قد يتغير من يديره، لكن لا يتغير من حمله في قلبه.

قد يتغير اللاعب والمدرب والرئيس، لكن المدرج يبقى.

فالملكية قد تكون قانونية، أما الانتماء فملكية لا تُنقل ولا تُباع.

ومن هنا ؛ لا ينبغي أن يكون الجمهور شريكًا في المدرج فقط، بل شريكًا في الوعي بمستقبل ناديه.

لا نريده أن يتدخل في التعاقدات أو اختيار المدربين أو إدارة الميزانيات؛ فهذه مسؤوليات مؤسسية. نريده أن يعرف المشروع، ويفهم مساره، ويثق به أو يعترض عليه بوعي.

لأن النادي الذي يخسر بطولة يستطيع أن يستعيدها.

والذي يخسر لاعبًا يستطيع أن يستقدم غيره.

والذي يخسر موسمًا يستطيع أن يعوضه.

أما النادي الذي يخسر جمهوره، فقد خسر الشيء الوحيد الذي لا يستطيع شراءه.

فالاستثمار يصنع القوة، والإدارة تصنع القرار، واللاعب يصنع النتيجة…

لكن الجمهور هو الذي يصنع معنى النادي ، إنه المدرج الذي يصنع القرارات الصعبة  .

ولهذا، فليكن واضحًا:

كل ما في النادي متحرك… إلا الجمهور.

إنه العمود الثابت في خيمة النادي؛ فإذا بقي قائمًا، بقي للنادي قلبه، وللبطولات معناها، وللشعار ذاكرته، وللقميص حكايته.

كاتب رأي 

عبدالمحسن محمد الحارثي

أديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.