كُتاب الرأي

حين يبوح العقل… يتكلم القلم

حين يبوح العقل… يتكلم القلم

عبدالمحسن محمد الحارثي

من أعظم ما أُوتي الإنسان ؛ أن أفكاره لا تموت معه، بل تجد في القلم سفينةً تعبر بها إلى الزمن.

فالعقل هو الموقد الذي تتشكل فيه الرؤى، وتولد فيه الأفكار، وتختمر فيه التجارب، غير أن هذه الكنوز تبقى صامتةً ما لم تجد من يهبها صوتًا. وهنا تبدأ رسالة القلم؛ فهو ليس قطعةً من حبرٍ ومعدن، ولا أداةً تُسطَّر بها الكلمات، بل هو اللسان الذي ينطق بما يعتمل في العقول، والجسر الذي تعبر عليه الأفكار من صاحبها إلى الناس.

ولولا القلم ؛ لماتت آلاف الخواطر في صدور أصحابها، كما تموت البذور في أرضٍ لم تعرف المطر. وبه خرجت الأفكار من سجون العقول، وانتقلت التجارب من جيلٍ إلى جيل، وحُفظ العلم، وصين الوحي، ودُوِّن التاريخ، وبقي الإنسان يحاور من سبقه بقرون، وكأنه يجلس إليه.

ولولا القلم ؛ لما عرفت الأمم ذاكرتها، ولا حفظت أخبارها، ولا بقي من أمجادها إلا ما تتناقله الروايات. فكم من حضارةٍ انطفأت دولتها، لكن أقلامها أبقت اسمها حيًّا في ضمير التاريخ.

إن الأفكار تولد صامتةً في أعماق العقول، ثم تبحث عن لسانٍ يهبها الحياة، فلا تجد أصدق من القلم. ومن هنا تبدأ رحلتها؛ من خاطرٍ عابر، إلى معنىً يتشكّل، ثم إلى رؤيةٍ تنضج، حتى إذا استقرت الفكرة في موضعها من العقل، استدعت القلم ليعلن ميلادها إلى العالم.

ولهذا .. لا يكتب القلم شيئًا من عنده؛ إنه أمينٌ على ما أودعه العقل فيه. فإن صفا الفكر، صفا البيان، وإن اضطرب المعنى، تعثرت الكلمات مهما بلغت فصاحة صاحبها.

والناس يقرؤون السطور، لكنهم لا يرون الرحلة التي سبقتها؛ لا يرون ذلك المخاض الصامت الذي يسبق ميلاد الفكرة، ولا تلك المعركة الخفية التي يخوضها الكاتب مع جملةٍ واحدة، يحذفها مرة، ويعيد صياغتها أخرى، ويستبدل كلمةً بأخرى، لا طلبًا للزينة، وإنما لأن المعنى لا يرضى إلا بعبارته التي تليق به.

ولهذا ..كانت الكتابة الحقيقية فنَّ الاكتفاء قبل أن تكون فنَّ الإضافة؛ أن تعرف ماذا تقول، وأن تعرف – وهو الأصعب – ماذا تترك. فما أكثر الكلمات التي كُتبت ثم ماتت، وما أقل الكلمات التي كُتبت لتبقى.

ولم يكن كبار الكتّاب أسرع الناس إلى القلم، بل أكثرهم صبرًا على الفكرة؛ لأنهم كانوا يدركون أن الجملة الجميلة قد تُعجب القارئ، أما الفكرة العظيمة فهي التي تغيّر حياته. وقد قيل: “الكتابة إعادة كتابة”.

وحين أقسم الله تعالى بالقلم ؛ لم يكن القسم بحبره أو هيئته، وإنما برسالته؛ لأنه الوعاء الذي حفظ الوحي، وصان العلم، وبنى الحضارات، وشيّد جسور المعرفة بين الأمم والأجيال.

وللقلم وظيفةٌ أعظم من مجرد التدوين؛ فهو الذي يفسر الأحداث، ويكشف دلالاتها، ويمنح الوقائع معناها، ويحول الخبر العابر إلى درسٍ باقٍ، ويجعل من اللحظة العابرة تجربةً إنسانيةً قابلة للتأمل.

فالحدث يراه الناس جميعًا، لكن القلم البصير هو الذي يقرأ ما وراء الحدث.

والصورة تقع عليها الأبصار، لكن القلم هو الذي يبلورها ويمنحها روحها.

والموقف يمر على الناس سريعًا، لكن القلم هو الذي يلتقط معناه ويعيد صياغته في صورةٍ تبقى.

ومن هنا ؛ لم يكن القلم شاهدًا على التاريخ فحسب، بل شريكًا في صناعته. فهو الذي عظّم الأحداث، وحفظ البطولات، وخلّد التضحيات، وصاغ وجدان الشعوب، وعطّر الثقافة الإنسانية بأجمل ما أنتجته العقول.

قال الرافعي: “إنما يكتب الكاتب ليُخرج أفضل ما في نفسه”. وما أفضل ما في الإنسان إلا فكرةٌ صادقة، أو تجربةٌ ناضجة، أو رؤيةٌ تهدي الناس إلى معنىً أجمل للحياة.

وقال الجاحظ: ” المعاني مطروحة في الطريق”. غير أن الشأن كل الشأن فيمن يلتقط المعنى، ويكسوه من البيان ما يجعله يوقظ عقلًا، أو يلامس قلبًا، أو يغيّر إنسانًا.

وما أكثر الأقلام التي ملأت الدنيا كلامًا ثم ذهبت مع أصحابها؛ لأنها كتبت لتُقرأ. وما أقل الأقلام التي بقيت؛ لأنها كتبت لتُحدث أثرًا.

فالأقلام لا تُقاس بما كتبت من سطور، بل بما أيقظت من عقول، وما أبقت من أثر، وما منحت للإنسان من خلود.

إن الكاتب لا يورّث الناس أوراقًا، وإنما يورّثهم أفكارًا. وقد يرحل الجسد، لكن الفكرة الصادقة تأبى أن تموت، لأن الأفكار العظيمة لا تُقاس بأعمار أصحابها، بل بما تتركه من أثر في حياة الناس.

وقد يجف الحبر، وتُطوى الصحائف، ويغيب أصحاب الأقلام، لكن الكلمة الصادقة تأبى أن تموت؛ لأنها كلما وجدت عقلًا يقرؤها، وُلدت من جديد. وهكذا يمد القلم عمر الفكرة، ويمنح صاحبها حياةً أخرى في عقول الناس ووجدانهم.

ولهذا .. فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل كتابة ليس: ماذا سأكتب؟ بل: أيُّ أثرٍ أريد أن تتركه كلماتي بعد أن يجف حبرها؟

لا تكتب لتملأ الصفحات، بل اكتب لتترك أثرًا؛ فالأوراق يطويها الزمن، أما الأفكار الصادقة فتظل تمشي بين الناس بأسماء أصحابها.

فالورق يحتفظ بالكلمات، أما الزمن فلا يحتفظ إلا بالأفكار التي استحقت أن تُكتب.

إن الفكرة روح، والقلم جسدها، والقراءة حياةٌ جديدة تُبعث فيها كلما ظن الناس أنها انتهت.

وما الأقلام العظيمة إلا تلك التي جعلت للعقل صوتًا، ووثّقت الأفكار، وسطّرت التاريخ، وعطّرت الثقافة، وبلورت الصورة، وحلّلت الحدث، وصوّرت الموقف، ومدّت عمر الإنسان إلى ما بعد عمره، وجعلت له حديثًا مع أجيالٍ لم تولد بعد.

كاتب رأي 

 

 

عبدالمحسن محمد الحارثي

أديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.