خواطر

لا تمنح الحزن مفتاح البيت

رد على خاطرة «حين عاد الحزن من منفاه»

لا تمنح الحزن مفتاح البيت

أستاذة موضي

قرأت «حين عاد الحزن من منفاه» فوجدت أنك لم تكتبي عن الحزن بقدر ما وصفت دهاءه

ذلك الزائر الذي لا يحترم مواعيد الزيارة ولا ينتظر دعوة ولا يحتاج إلى مفتاح

يكفيه عطر قديم أو أغنية عابرة أو اسم يمر مصادفة أو صورة تسقط من بين أوراق العمر حتى يدخل وكأنه لم يغادر بالأمس

لكنني أخالفك في أمر صغير

لا تتعبي نفسك كثيراً بإغلاق الباب

فالحزن الذي يحفظ شقوق الذاكرة لن تعجزه الأقفال ثم إن بعض الأبواب كلما بالغنا في إغلاقها أصبح ما خلفها أكثر حضوراً في أذهاننا

دعيه يطرق وإن أصر فدعيه يدخل

لكن لا تقدمي له القهوة ولا تسأليه أين كان ولا تقولي له اشتقت إليك ولا تفرغي له أفضل مقاعد القلب ولا تسمحي له أن يتصرف كأنه أحد أفراد الأسرة

اجعليه يفهم منذ اللحظة الأولى أن الزيارة قصيرة

قولي له أعرفك جيداً وقد زرتني من قبل وجلست هنا طويلاً لكن البيت الذي تركته لم يعد كما كان وأنا أيضاً لم أعد تلك التي تعرفها

فالإنسان لا يخرج من الحزن كما دخله

يترك الحزن فيه شيئاً ويأخذ منه شيئاً

قد يأخذ شيئاً من براءته لكنه يمنحه بصيرة وقد يأخذ منه طمأنينة قديمة لكنه يعلمه أن الطمأنينة لا تعني أن الحياة لن تؤلمنا بل أن نعرف كيف نعود إلى أنفسنا بعدما تؤلمنا

ولهذا فإن عودة الحزن لا تعني دائماً أننا لم نتعافَ

وهذه من أكثر الأفكار التي نظلم بها أنفسنا

نبكي بعد سنوات فنقول إذن لم أتجاوز ويرتجف القلب عند اسم فنقول إذن ما زلت في النقطة الأولى وتمر ذكرى فتنطفئ ابتسامتنا للحظات فنظن أن كل ما بنيناه انهار

وهذا غير صحيح

فالجرح الذي شفي يمكن أن يؤلم إذا ضغطنا عليه لكنه لم يعد جرحاً مفتوحاً

والذاكرة لا توقع معنا عقداً تتعهد فيه بحذف من أحببنا ومن فقدنا وما كسرنا

هي تحتفظ بالأشياء وأحياناً تخرجها من أدراجها دون استئذان

لكن الفرق بين الأمس واليوم ليس أن الذكرى اختفت

الفرق أنها في الأمس كانت تقودك واليوم أنت من يقودها

كانت تستطيع أن تسرق يوماً كاملاً ثم أصبحت تسرق ساعة ثم دقائق ثم تمر فتتنهد وتمضي

وهذا أيضاً شفاء

فلا تقيسي تعافيك بعدد المرات التي لم تحزني فيها بل بعدد المرات التي حزنت فيها ثم استطعت العودة

فالذي تعلم السباحة ليس من لا يسقط في الماء بل من لم يعد الماء قادراً على إغراقه

والحزن في حقيقته ليس دائماً عدواً

بعض الحزن وفاء

نحزن لأن شيئاً كان جميلاً ولأن إنساناً كان عزيزاً ولأن زمناً مر بنا ولم يكن عادياً ولولا قيمة ما فقدناه لما كان لفقده كل هذا الوجع

ولهذا لا ينبغي أن نخجل من بعض أحزاننا

فالدمعة أحياناً ليست إعلان هزيمة بل تحية متأخرة لشيء جميل عبر حياتنا

المشكلة تبدأ حين يتحول الوفاء للماضي إلى خيانة للحاضر

حين يصبح من رحل يأخذ معه من بقي وحين نعطي لحظة انتهت حق التصرف في كل اللحظات القادمة وحين يتحول الحزن من زائر نستقبله أحياناً إلى صاحب منزل يسألنا نحن متى سنغادر

هنا يجب أن تتغير العلاقة

ليس المطلوب أن تطردي الحزن بل أن تسحبي منه صلاحياته

دعيه يتذكر لكن لا تدعيه يقرر ودعيه يبكي لكن لا تدعيه يطفئ كل أسباب الفرح ودعيه يجلس قليلاً لكن لا تمنحيه غرفة نوم ومفتاحاً إضافياً

هناك حياة كاملة خارج غرفته

هناك أشخاص يحبونك الآن وهناك صباح لم يرتكب في حقك شيئاً حتى تستقبليه بوجه الأمس وهناك ضحكة جديدة لا ذنب لها في دمعة قديمة وهناك أشخاص دخلوا حياتك بعد الجرح وليس من العدل أن يدفعوا فاتورة شخص غادر قبلهم

ومن أغرب ما يفعله الحزن أنه يقنعنا أحياناً بأن الفرح خيانة

نضحك ثم نشعر بالذنب ونستمتع بلحظة ثم نتذكر من فقدنا فنخجل من سعادتنا وكأن الوفاء يقتضي أن نبقى تعساء

وهذه حيلة أخرى من حيله

فمن أحبك حقاً لن يرضيه أن يتحول غيابه إلى سجن لك ومن كان جميلاً في حياتك يستحق أن تذكريه بابتسامة أيضاً لا أن تجعلي كل ذكراه مأتماً

لقد كان جزءاً من حياتك وليس نهاية الحياة

والقلب أعجب من أن نفهمه بسهولة

يتسع لحزن وفرح في الوقت نفسه وقد تشتاقين إلى من غاب وأنت سعيدة بمن بقي وقد تبكين ذكرى ثم تضحكين بعد دقائق ولا تناقض في ذلك

هذه ليست خيانة للحزن

هذه حياة

فالإنسان ليس غرفة بمصباح واحد إذا أضاء الفرح انطفأ الحزن وإذا حضر الحزن اختفى كل شيء

نحن بيت كبير

في إحدى غرفه ذكرى تبكي وفي أخرى طفل يضحك وفي الثالثة حلم ينتظر وعند النافذة صباح جديد لا يعرف شيئاً عن كل ما حدث بالأمس

والحكمة ألا نسمح لغرفة واحدة أن تطفئ أنوار البيت كله

لهذا عندما يعود الحزن من منفاه لا تسأليه لماذا عاد

الحزن لا يقدم تبريرات مقنعة على أي حال

قولي له فقط أهلاً بك أعرف مقعدك القديم لكنني غيرت ترتيب المنزل

ذلك الركن الذي كنت تجلس فيه أصبح فيه أمل والنافذة التي كنت أغلقها أصبحت مفتوحة والقلب الذي كنت تعرف طريقك إليه تعلم طرقاً أخرى للحياة

يمكنك أن تجلس قليلاً ويمكنك أن تذكرني بما كان وقد أبكي ولا بأس

لكن عندما يحين الصباح سأقوم وسأفتح النافذة وسأكمل يومي

فأنا لم أعد أخاف منك

لقد عرفتك بما يكفي والأهم أنني عرفت نفسي بعدك

وإذا سألتني هل سأظل أفتح لك الباب فسأقول ربما

لكنني لن أعطيك المفتاح مرة أخرى

فالبيت بيتي والقلب قلبي والعمر الذي بقي لي ليس عقوبة على عمر مضى

تعال إن شئت واجلس إن اضطررت

لكن لا تطل الجلوس

فلدي حياة تنتظرني

كمال محمد عثمان

Kamal-othman@hotmail.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.