كُتاب الرأي

ماذا لو لم يولد محمد صلى الله عليه وسلم؟

ماذا لو لم يولد محمد صلى الله عليه وسلم؟

عندما خطر لي هذا العنوان ظننته من تلك الأسئلة التي تأتيك فجأة فتفرح بها

ثم بحثت فوجدت أن الكاتب عباس قاسم المرياني قد خطَّ سابقاً عنواناً قريباً جداً منه

«ماذا لو لم يولد النبي محمد؟»

قرأت مقاله فوجدت أن العنوان جمعنا

أما الفكرة فقد أخذت كل واحد منا إلى طريق مختلف

هو ذهب إلى عالم لم يولد فيه محمد صلى الله عليه وسلم وسأل كيف كان يمكن أن يكون حال العرب والإسلام

أما أنا فلم يشغلني كثيراً العالم الذي لم يولد فيه محمد صلى الله عليه وسلم

بقدر ما شغلني عالم وُلد فيه محمد صلى الله عليه وسلم ثم اختلف محبوه في كيفية التعبير عن محبتهم له

رجل يقول

أحتفل لأنني أحبه

وآخر يقول

لا أحتفل لأنني أحبه وأريد أن أقف حيث وقفت سنته

هذا حبٌّ له

وذاك حبٌّ منه ومن هديه

ومن هنا بدأت حكايتي

لا أقول هنا بلسان العالم الذي يبحث عن حكم

ولا بلسان الفقيه الذي يرجح بين قولين

ولا أريد لهذا المقال أن يكون فتوى جديدة تضاف إلى فتاوى قيل فيها الكثير

أنا فقط رجل خطر له سؤال وأراد أن يتأمله

ماذا لو لم يولد محمد صلى الله عليه وسلم؟

والسؤال هنا ليس اعتراضاً على قدر الله ولا افتراضاً لما يخالف مشيئته سبحانه

إنما هو سؤال ذهني نعرف من خلال غياب الشيء مقدار حضوره

فنحن أحياناً لا نعرف قيمة النور إلا عندما نتخيل الظلام

ولا نعرف مقدار ما أعطانا وجود إنسان حتى نسأل أنفسنا كيف كان يمكن أن تكون الحياة لو غاب

فماذا لو لم يولد محمد صلى الله عليه وسلم؟

ولنبدأ من نقطة قد تبدو مفاجئة لبعضنا

الفضيلة لم تولد يوم وُلد محمد صلى الله عليه وسلم

كان في الناس قبله كرم

وكان فيهم وفاء

وكان فيهم شجاعة

وكان فيهم رحمة وحكمة ونجدة وحفظ للعهد

وكانت البشرية تعرف الخير والشر قبل بعثته

وهذا ليس انتقاصاً من رسالته بل هو من تمام معناها

فقد قال صلى الله عليه وسلم

«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

قال لأتمم

فجاء صلى الله عليه وسلم ليتم ما نقص ويصحح ما انحرف ويربط الخلق بالإيمان والعمل بالجزاء والعدل بالمسؤولية

لم يأت ليخبر الإنسان أن الصدق جميل للمرة الأولى

بل جعل الصدق ديناً

ولم يكتشف الرحمة للبشرية

بل جعل الرحمة طريقاً إلى رحمة الله

ولم يخترع الأمانة

بل جعل خيانتها نقصاً في الدين قبل أن تكون نقصاً في المروءة

وهنا تبدأ الإجابة عن سؤالنا تكبر

لو لم يولد محمد صلى الله عليه وسلم لما غابت كل فضيلة من الأرض

لكن شيئاً هائلاً كان سيختلف في طريقة اجتماع هذه الفضائل وفي معناها ومرجعيتها وانتقالها من خصال يختارها الإنسان إلى منهج يحاسَب عليها

ولما عرفنا القرآن كما عرفناه

ولا الصلاة كما نقيمها

ولا الحج كما نحجه

ولا ذلك الطريق الذي وصلنا من خلاله إلى معرفة تفاصيل ديننا وعباداتنا وأخلاقنا

لكنني لا أريد أن أحول المقال إلى قائمة بما كان سيغيب

فكلما حاولت أن أعد الأشياء وجدتني أمام شيء أكبر من العد

أثر رجل واحد في حياة أمة ثم في حياة أمم ثم في حياة بشر لم يروه ولم يراهم

ومن بينهم نحن

وهنا أعود إلى الرجلين اللذين بدأت بهما

أحدهما إذا جاء يوم مولده صلى الله عليه وسلم فرح وأظهر فرحه وأكثر من الصلاة عليه واستعاد سيرته وقال

كيف لا أفرح بيوم وُلد فيه من أحب؟

والآخر يحبه ويكثر من الصلاة عليه ويقرأ سيرته أيضاً لكنه يقول

لو كان تخصيص هذا اليوم عبادة أو قربة لفعلها محمد صلى الله عليه وسلم وفعلها أصحابه من بعده

الأول يرى في الاحتفاء تعبيراً عن المحبة

والثاني يرى في الامتناع تماماً للاتباع

ولكل منهما من يسمع منه ويطمئن إلى قوله

ولست هنا لأدخل بينهما حَكَماً

ولا لأبحث في أشكال الاحتفال وممارساته وما قد يدخل بعضها من تجاوزات فذلك باب آخر وله أهله

ما يستوقفني هنا شيء أبسط وأعمق

أن الرجلين المختلفين يحبّان الرجل نفسه

هذا يقول

حبّاً له

وذاك يقول

حبّاً منه ومن هديه

فهل يستحق هذا الاختلاف أن يجعل أحدهما يشك في محبة الآخر لمحمد صلى الله عليه وسلم؟

ربما نستطيع أن نترك لكل واحد منهما موقفه

ثم نسألهما معاً سؤالاً لا يحتاج إلى مناسبة ولا تاريخ

ماذا فعلت محبة محمد صلى الله عليه وسلم فينا؟

وهنا يصبح السؤال أكثر صعوبة

لأنه لا يسأل عما نفعله في يوم

بل عما فعلته المحبة في العمر

هل جعلتنا أصدق حين نتحدث؟

أرحم حين نقدر؟

أعدل حين نختلف؟

أوفى حين نعد؟

أكثر أمانة حين نبيع ونشتري؟

ألين مع أهل بيوتنا؟

أرحم بالضعيف؟

وأقدر على العفو حين نستطيع الانتقام؟

هنا لا يستطيع المحتفل أن يكتفي باحتفاله

ولا يستطيع الممتنع أن يكتفي بامتناعه

لأن كليهما قال كلمة كبيرة

أنا أحب محمداً صلى الله عليه وسلم

والمحبة التي لا تغير شيئاً في صاحبها تحتاج أن تسأل نفسها عن مقدارها

وربما كانت إحدى مشكلاتنا أننا جعلنا الخلاف أحياناً أكبر من المساحة التي نتفق فيها

فالمحتفل والممتنع يصليان على النبي نفسه

ويقرآن القرآن نفسه

ويتجهان إلى القبلة نفسها

ويرجوان شفاعته صلى الله عليه وسلم

ويعرفان أن الصدق من هديه وأن الرحمة من هديه وأن الأمانة من هديه وأن حسن الخلق من هديه

ثم قد يقفان طويلاً عند يوم واحد حتى يكاد الخلاف فيه يحجب عنهما بقية الصورة

ولا أطلب من أحدهما أن يتنازل عن رأيه للآخر

فالقناعات الدينية لا تُحل بالمجاملات

لكنني أتمنى ألا يتحول الحرص على محمد صلى الله عليه وسلم إلى خصومة تجعلنا ننسى شيئاً من أخلاق محمد صلى الله عليه وسلم

فقد نختلف في طريقة التعبير عن المحبة

لكن ينبغي ألا نختلف على المحبة نفسها

ومضت قرون على مولده صلى الله عليه وسلم

وما زال اسمه حاضراً

في الأذان

وفي الصلاة

وفي المساجد

وفي الكتب

وفي البيوت

وفي أسماء أبنائنا

وفي ملايين الألسنة التي تصلي وتسلم عليه كل يوم

لكن الحضور الذي يستحق أن نفتش عنه ليس في الألسنة وحدها

بل فينا

في أخلاقنا

وفي معاملاتنا

وفي بيوتنا

وفي تجارتنا

وفي اختلافنا

وفي قدرتنا على أن نكون رحماء حتى ونحن نعتقد أننا على حق

فإذا كان المحتفل يقول

أنا أحبه

وكان الممتنع يقول

أنا أتبعه

فربما كان أجمل ما يقدمه كل واحد منهما لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يجعل الآخر يرى شيئاً من محمد في خُلُقه

لقد بدأنا بسؤال

ماذا لو لم يولد محمد صلى الله عليه وسلم؟

وربما اكتشفنا في النهاية أن السؤال الذي يستحق أن يبقى معنا ليس عما كان سيحدث للعالم لو لم يولد

فقد وُلد محمد صلى الله عليه وسلم

وجاء بالرسالة

وبلّغ الأمانة

وترك لنا من هديه ما يكفي لأن نعرف الطريق

لذلك لم يعد السؤال

ماذا كان سيحدث لو لم يولد؟

بل السؤال الذي يخصني ويخصك ويخص المحتفل والممتنع معاً

لقد وُلد محمد صلى الله عليه وسلم

فماذا وُلد فينا من محمد؟

هذا ما خطر لي

فإن أصبت فمن فضل الله

وإن أخطأت في أمر من أمور الدين فأهل العلم أولى بالتصحيح مني وأحب إليَّ أن أصحح رأيي من أن أنتصر له

كمال محمد عثمان
Kamal-othman@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.