رجل رحل وترك اسمه في ذاكرة المدينة المنورة

رجل رحل وترك اسمه في ذاكرة المدينة المنورة
هناك رجال نعرفهم بالمجالسة وهناك رجال نعرفهم بالأثر وربما كان الأثر في بعض الأحيان أصدق تعريفاً بصاحبه من طول الصحبة
ومن هؤلاء الأستاذ محمد بن صالح البليهشي رحمه الله
لم أعرفه معرفة شخصية لكن عرفته منصتاً لعلمه ومعرفته وقرأت من نتاجه ما عرّفني به وسمعت من الثناء عليه ما أكد لي مكانته
كان رحمه الله من أولئك الذين لم يمروا على تاريخ المدينة المنورة مرور العابر بل وقف عند تفاصيله وأصغى إلى حكاياته وتتبع رجاله وحفظ شيئاً من سيرهم ثم أعاد ذلك كله للناس علماً وأدباً ووفاء
وحين يهب الإنسان جزءاً من عمره لذاكرة مدينته فإنه لا يكون مجرد ناقل لما حدث فيها بل يصبح واحداً من أمناء ذاكرتها لأن المدن لا تحفظ تاريخها بالمباني وحدها وإنما تحفظه بمن يكتبون عنها ويجمعون أخبار رجالها وينقذون التفاصيل الصغيرة من أن تأكلها الأيام
ولعل هذا ما يجعل خسارة أمثال محمد بن صالح البليهشي أبعد من غياب رجل عن أهله ومحبيه فحين يرحل صاحب معرفة تنطفئ نافذة كان الناس ينظرون منها إلى زمن مضى وحين يرحل صاحب قلم تتوقف يد كانت تنتشل من الذاكرة ما كاد أن يضيع
والعلم حين يجتمع بالأدب يمنح صاحبه منزلة مختلفة فالعلم يحفظ الحقيقة والأدب يمنحها روحاً وما أجمل أن يستطيع الكاتب أن يجعل التاريخ قريباً من القلب من غير أن ينقص من هيبته وأن يحفظ أسماء من مضوا من غير أن يحول حياتهم إلى أرقام وتواريخ جامدة
إن أجمل وفاء يقدمه الإنسان للمكان الذي أحبه أن يحفظ ذاكرته وأجمل وفاء لمن سبقوه أن يمنع أسماءهم من الغياب ولعل من أمضى عمره يكتب عن الآخرين ويحفظ سيرتهم يستحق حين يرحل أن يجد من يحفظ سيرته أيضاً
ففي الحياة عدل خفي جميل
من حفظ أسماء الناس حفظ الناس اسمه
ومن أنقذ شيئاً من ذاكرتهم من النسيان ترك في ذاكرتهم مكاناً له
لهذا لا يقاس عمر الإنسان بعدد السنوات التي عاشها وحدها بل بما أبقاه بعد تلك السنوات فقد يعيش المرء طويلاً ثم يرحل فلا يكاد يشعر به أحد وقد يمضي آخر ويكتشف الناس بعد رحيله أن شيئاً من حياتهم الثقافية والعلمية قد رحل معه
لكن أصحاب الأثر لهم حياة أخرى لا تقيسها الأعمار
يبقون في كتاب فتحه قارئ وفي معلومة وجدها باحث وفي ذكرى أعادها قلم إلى الحياة وفي كلمة علمت إنساناً شيئاً لم يكن يعرفه
وربما كانت أجمل مكافأة لكاتب أمضى حياته يحارب النسيان أن يعجز النسيان نفسه عن الوصول إليه
رحم الله محمد بن صالح البليهشي رحمة واسعة وجزاه عن علمه وأدبه وعن المدينة المنورة وأهلها خير الجزاء وجعل ما تركه من معرفة وما حفظه من ذاكرة وما زرعه من أثر في ميزان حسناته
- فالرجال يرحلون عن المدن ولكن بعض الرجال يتحولون بعد رحيلهم إلى جزء من ذاكرتها
كمال عثمان
Kamal-othman@hotmail.com
ليس كل ما يُكتب يستحق أن يُقرأ وإنما يستحق القراءة ما كُتب بصدق