التقنية الحديثة وأثرها على التعليم

التقنية الحديثة وأثرها على التعليم
الحمد لله الذي منَّ على الإنسان بالعلم، وألهمه من الذكاء ما جعله يبحث ويطوّر ويبتكر، فصنع من الآلات والأجهزة ما يسّر حياة البشر، وجعل إنجازاتهم أكثر سهولة وسرعة في مختلف المجالات، وكان التعليم أحد المجالات التي كان للتقنية الحديثة أثر واضح فيها.
فقد دخلت التقنية إلى المدارس، وأصبحت أجهزة الحاسوب من الأدوات الأساسية التي سهّلت الكتابة وحفظ الملفات والمجلدات، ثم امتد أثرها إلى حجرات الدراسة، فأصبحت الفصول تزخر بالسبورات الذكية وأجهزة العرض وغيرها من الوسائل التقنية، مما جعل الدروس أكثر تنوعًا وجاذبية، وأصبح المعلم يعتمد عليها في عرض دروسه وشرحها، بل أصبحت القدرة على توظيف التقنية الحديثة جزءًا من الممارسات التي يُنظر إليها عند تقييم الأداء التعليمي.
ومع ما أضافته التقنية إلى التعليم من سهولة وجاذبية وتنوع، إلا أننا ربما افتقدنا شيئًا من جمال التعليم الذي عشنا تفاصيله في زمن مضى؛ زمن الإلقاء والترديد خلف المعلم، والخروج إلى السبورة والكتابة بالقلم، تلك الكتابة التي كنا نتنافس من أجلها للخروج وكتابة حرف أو جملة أو حل مسألة. وكان سرورنا يعانق السماء حين تختارنا المعلمة، وتتوالى أصوات التصفيق من زميلاتنا تشجيعًا لنا.
لا يمكننا أن ننكر أهمية التقنية وضرورتها في التعليم، فهي وسيلة مهمة تواكب تطور العصر وتفتح آفاقًا واسعة للتعلم، إلا أن الاعتماد المتزايد عليها جعل الطالب أكثر اعتمادًا على المشاهدة والتلقي البصري، وأقل ممارسة لبعض المهارات التي كان التعليم التقليدي يمنحها مساحة أكبر؛ كالإلقاء، والترديد، والكتابة، والمشاركة المباشرة، والتنافس على حل المسائل أمام المعلم والزملاء
ولعل الأجمل أن تكون التقنية إضافة جميلة إلى تعليمنا، لا بديلًا عن كل ما سبَقها؛ فنستفيد من إمكاناتها الحديثة، وفي الوقت نفسه لا نغفل الأساليب التعليمية التي أثبتت قيمتها، والتي كانت تضيف إلى حجرات الدراسة شيئًا من البهجة والحماس والتفاعل.
ومن هنا، أتمنى أن يكون التعليم مزيجًا متوازنًا بين الحداثة والأصالة؛ بين شاشة العرض والقلم، وبين السبورة الذكية والسبورة التي يقف أمامها الطالب ليكتب بيده، وبين المشاهدة والممارسة، وبين التلقي والمشاركة.
وأخص بذلك حصص اللغة العربية، التي أتمنى أن تحظى بمساحة أكبر من الكتابة والإلقاء والترديد؛ لما لذلك من أثر في تحسين النطق، وإتقان مخارج الحروف، والتمييز بين أصواتها القصيرة والطويلة. وكم أتمنى أن تعود مهارات النسخ والخط، وصقل مهارات الكتابة والتعبير، إلى مكانتها التي تليق بها في تعليم أبنائنا وبناتنا.
فالتعليم ليس مجرد معلومات تصل إلى الطالب عبر شاشة، بل هو مهارات تُمارس، وقيم تُكتسب، وشخصية تتكوّن، وذكريات جميلة تبقى في الذاكرة طويلًا.
ولعل أجمل ما نطمح إليه هو تعليم يجمع سرعة التقنية الحديثة ودفء التعليم الإنساني؛ تعليمًا يستفيد من تطور العصر، دون أن يفقد تلك التفاصيل الصغيرة التي صنعت يومًا أجمل ذكرياتنا مع المدرسة والمعلم.
كاتبة رأي