أرض العمق التاريخي

أرض العمق التاريخي
المملكة العربية السعودية.
أرض الحرمين ومهد الرسالة وقبلة المسلمين
بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ جامعي سابق ـ مستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المملكة العربية السعودية ليست مجرد وطن على خارطة العالم، وليست حدودا جغرافية أو كيانا سياسيا فحسب، بل هي أرض ضاربة جذورها في أعماق التاريخ، وموطن الحرمين الشريفين، ومهد الرسالة الإسلامية الخاتمة، وقبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
إنها الأرض التي تحتضن أطهر بقعتين في قلوب المسلمين: مكة المكرمة، حيث المسجد الحرام والكعبة المشرفة، والمدينة المنورة، حيث المسجد النبوي الشريف، مهوى أفئدة المؤمنين ومحل محبتهم وتوقيرهم.
إن تاريخ هذه الأرض المباركة يمتد إلى عصور سحيقة، ويرتبط ببيت الله الحرام منذ عهد نبي الله إبراهيم عليه السلام، ذلك النبي الذي ارتبط اسمه بالإسلام وبالتوحيد وبناء البيت العتيق وإرساء معالم العبادة الخالصة لله سبحانه وتعالى.
يقول الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل:
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾.
[آل عمران: 96-97].
إنها الكعبة المشرفة، البيت العتيق الذي رفع قواعده نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، امتثالا لأمر الله، ليكون منارة للتوحيد ومقصدا للعبادة ومهوى لأفئدة المؤمنين عبر الأجيال.
ويخلد القرآن الكريم دعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام حين أسكن بعض ذريته عند بيت الله الحرام، فقال:
﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.
[إبراهيم: 37].
تأملوا عظمة هذا الدعاء؛ واد غير ذي زرع، لا أنهار فيه ولا مزارع، ومع ذلك جعل الله أفئدة الناس تهوي إليه، فغدت مكة المكرمة أعظم وجهة روحية للمسلمين، يقصدونها من كل فج عميق، ملبين نداء ربهم، طالبين رضوانه ومغفرته.
ومن هذه الأرض المباركة انطلقت رسالة الإسلام، وعلى ترابها عاش خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم ومنها أشرق نور الهداية على البشرية جمعاء، وانطلقت رسالة التوحيد حاملة معها قيم العدل والرحمة والتسامح، حتى امتد نور الإسلام إلى مختلف أصقاع الأرض.
أما المدينة المنورة، فقد شرفها الله بهجرة نبيه المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام وجعلها دار الإسلام الأولى بعد مكة المكرمة، وفيها المسجد النبوي الشريف، الذي تتعلق به قلوب المسلمين حباً وإجلالاً، وتستحضر عند زيارته أعظم صفحات السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي.
مكة المكرمة والحرم الشريف… قدسية لا تقبل العبث أو الاعتداء
إن قدسية مكة المكرمة ومكانتها في عقيدة المسلمين ليستا موضع خلاف أو مساومة، فالمسجد الحرام والكعبة المشرفة يمثلان قلب الأمة الإسلامية وقبلتها الجامعة، والاعتداء عليهما أو تهديد أمنهما يمثل اعتداء على مشاعر المسلمين ومقدساتهم في كل أنحاء العالم.
ومن المؤلم والمستهجن أن تظل مكة المكرمة، بما تحمله من قدسية ومكانة استثنائية، عرضة للتهديدات ومحاولات الاستهداف من قبل مليشيا الحوثي الإرهابية، في سلوك يتناقض بصورة صارخة مع تعاليم الإسلام ومبادئه التي تعظم حرمات الله، وتصون المقدسات، وتحرم ترويع الآمنين والاعتداء على الحرمات.
وهنا تبرز مفارقة أخلاقية ودينية بالغة الخطورة؛ فكيف لمن يرفع شعارات الإسلام، ويدعي الانتساب إلى آل بيت رسول الله أن يهدد قبلة المسلمين، أو يسعى إلى استهداف البلد الذي يحتضن بيت الله الحرام؟
إن استهداف مكة المكرمة لا يمكن تبريره بأي ذريعة سياسية أو عسكرية أو مذهبية، ولا يمكن أن ينسجم مع تعظيم شعائر الله أو احترام قدسية الحرمين الشريفين.
كما أن الادعاء بالانتساب إلى آل البيت لا يكون بالشعارات ولا بالدعاوى المجردة، ولا يجوز اتخاذ هذا الانتساب المزعوم من قبل المليشيات الإرعابية زوراً وبهتاناً وسيلة لاكتساب الشرعية أو تبرير الاعتداءات والممارسات الإجرامية. فشرف الانتساب إلى آل بيت النبوة مسؤولية أخلاقية ودينية عظيمة، عنوانها التقوى والصدق والعدل والرحمة، والاقتداء بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس التسلط على الناس أو ترويعهم أو الاعتداء على مقدساتهم.
إننا نؤكد أن الأفعال الإجرامية التي ترتكبها هذه المليشيا، ومن يساندها ماديا ومعنويا واستراتيجيا، لا تمت إلى أخلاق الإسلام ومبادئه بصلة، وأن الإسلام بريء من كل اعتداء على الحرمات والمقدسات، أيا كانت الذرائع والشعارات التي يتستر خلفها المعتدون ، ولا نفسر كل هذه الإعتداءات إلا محاولة لمحاربة الإسلام وأهله المسلمين.
فليس الانتساب إلى آل البيت امتيازا يمنح صاحبه حق الوصاية على المسلمين، ولا صك براءة من المساءلة، وإنما المعيار الحقيقي هو العمل الصالح والالتزام بقيم الدين الحنيف.
المملكة العربية السعودية… شرف المكان وعظمة المسؤولية
إن عظمة المملكة العربية السعودية لا تكمن في تاريخها وحده، ولا في مكانتها الدينية فحسب، بل في اجتماع شرف المكان وعمق التاريخ وعظمة المسؤولية المتمثلة في رعاية الحرمين الشريفين وخدمة ضيوف الرحمن.
لقد شرف الله هذه البلاد باحتضان أقدس مقدسات المسلمين، وحملها مسؤولية عظيمة في خدمة الحجاج والمعتمرين والزوار، وهي مسؤولية تتجاوز حدود الواجب الوطني إلى شرف ديني وإنساني وحضاري تعتز به المملكة قيادة وشعبا.
وقد أصبحت خدمة الحرمين الشريفين ورعاية قاصديهما من أبرز الثوابت التي تقوم عليها رسالة المملكة، العربية السعودية ، وتسخر من أجلها إمكاناتها وطاقاتها ومؤسساتها، بما يضمن راحة ضيوف الرحمن وأمنهم وسلامتهم، وييسر لهم أداء مناسكهم في أجواء من الطمأنينة والسكينة.
ومن هنا، فإن اعتزازنا بوطننا ليس مجرد شعور عاطفي أو انتماء جغرافي، بل هو اعتزاز بتاريخ إيماني وحضاري عريق، وانتماء لأرض ارتبط اسمها في وجدان المسلمين بأعظم شعائر دينهم وأقدس مقدساتهم.
ونحن حين نفخر بالمملكة العربية السعودية، لا نفعل ذلك انتقاصا من أوطان الآخرين أو تقليلا من تاريخها وحضاراتها، فلكل وطن مكانته، ولكل شعب تاريخه ومجده، ولكننا نعتز بما خص الله به هذه البلاد من شرف المكان واحتضان الحرمين الشريفين، وما تحمله من مسؤولية عظيمة تجاه الإسلام والمسلمين، وما أنعم الله به عليها من قيادة رشيدة وحكيمة، وحكومة واعية تسخر إمكاناتها لخدمة الوطن والمواطنين والحرمين الشريفين وضيوف الرحمن..
إن المملكة العربية السعودية هي أرض الحرمين، ومهد الرسالة، وموطن التاريخ، وقبلة المسلمين، وستظل بإذن الله حصنا منيعا في خدمة مقدسات الإسلام ورعاية ضيوف الرحمن.
كلمة اعتزاز وانتماء
وختاما، أقولها بكل فخر واعتزاز:
أنا سعودي، وأعتز بانتمائي إلى وطن تحتضن أرضه قبلة المسلمين، وتضم بين جنباتها مكة المكرمة والمدينة المنورة، ويتشرف بخدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن.
أعتز بوطن عظيم، بتاريخ عريق، ومكانة دينية لا تضاهيها مكانة، وأفخر بقيادتنا الرشيدة، حفظها الله وأعزها، وسدد خطاها، ووفقها لمواصلة مسيرة البناء والتنمية والنهضة، وأدام على بلادنا عزها وأمنها واستقرارها.
إن حب هذا الوطن ليس مجرد كلمات تقال، بل هو وفاء وانتماء ومسؤولية، وعمل وإخلاص، وحرص على صون مكتسباته والدفاع عن مقدساته والحفاظ على مكانته.
اللهم احفظ المملكة العربية السعودية، وأدم عليها نعمة الأمن والإيمان والاستقرار والرخاء، واحفظ قيادتها وشعبها، وانصرها على كل من أراد بها أو بمقدساتها سوءا، واجعلها دائما منارة خير وسلام للإسلام والمسلمين.
دام عزك يا وطن، ودامت رايتك خفاقة بالعز والمجد.
إنها المملكة العربية السعودية العظمى…
فخر الانتماء، وعراقة التاريخ، وشرف المكان، وعظمة الرسالة والمسؤولية.
🇸🇦 حفظ الله المملكة العربية السعودية قيادة وشعبا وأرضا ومقدسات.
