كُتاب الرأي

حسن الجوار وأمن الخليج

حسن الجوار وأمن الخليج

حين تتعارض المصالح مع المبادئ.

————————————-

بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي.

أستاذ جامعي سابق ـ مستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.

—————————————
تذكرت حديث رسولنا ونبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم حين قرأت في وسائل الإعلام تقارير تتحدث عن تهريب الأسلحة والمعدات إلى مليشيا الحوثي الإرهابية، وما أثير بشأن استخدام مسارات عبر دول مجاورة للمملكة العربية السعودية، من بينها دولتين خليجيتين..
وهنا توقفت طويلًا أمام هذه التقارير لا لأن الحديث يدور عن دولتين تجاوران المملكة فحسب، بل لأنهما دولتان شقيقتان في مجلس التعاون الخليجي تربطهما بالمملكة علاقات تاريخية ومصالح استراتيجية وروابط اجتماعية وأسرية. وكان الأولى بهذه الروابط أن تكون أساسًا للثقة والتعاون وحماية الأمن المشترك، لا سبباً للقلق والشكوك.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن». قيل: من يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه». رواه البخاري.
هذا الحديث يضع مبدأ حسن الجوار في موضعه الصحيح فالجوار ليس مجرد حدود جغرافية، بل مسؤولية أخلاقية تقتضي كف الأذى وحفظ الحقوق وصيانة الأمن. وإذا كان الإسلام قد شدد على حق الجار في الأمان، فإن حق الدول والشعوب في الأمن والاستقرار أولى بأن يُصان، ولا سيما حين تجمعها روابط الأخوة والدين والمصالح المشتركة.
لقد تأملت كثيراً  في جدوى خلق فوضى ومشاكل لدولة شقيقة بحجم المملكة العربية السعودية، التي تمثل ركيزة أساسية في أمن الخليج واستقراره، وشريكاً  رئيسياً  في مواجهة التهديدات الإقليمية.. فما المصلحة الاستراتيجية التي يمكن أن تحققها أي دولة خليجية من دعم قوة إرهابية  مسلحة تهدد أمن دولة شقيقة؟ إن محاولة خلق إضطراب أو محاولة إضعاف المملكة العربية السعودية  لا يحقق بالضرورة مكاسب لمن يسعى إلى ذلك بل قد يفتح المجال أمام اتساع دائرة التهديدات، ويعرّض أمن المنطقة ومصالح جميع دولها لمخاطر أكبر. فالأمن الخليجي منظومة مترابطة، وأي خلل يصيب إحدى ركائزها ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود الدولة المستهدفة.
إن أي دعم عسكري أو لوجستي يساهم في تصعيد التهديدات ضد المملكة العربية السعودية، ويُسهّل وصول الأسلحة إلى مليشيا الحوثي الإرهابية، يُعدّ تهديداً مباشراً للأمن الخليجي عامة ، وإضراراً  بمبادئ حسن الجوار ومصالح شعوب المنطقة. ومن الضروري التعامل بجدية مع التقارير المتعلقة بتهريب الأسلحة والتحقيق في المسارات والجهات المسؤولة، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع استغلال الأراضي والمنافذ في أنشطة تهدد أمن الدول الشقيقة.
وتزداد خطورة هذه التهديدات عندما تتصل بالاعتداءات التي طالت المملكة، وبالمخاطر التي أحاطت بالحرمين الشريفين، اللذين يحتلان مكانة عظيمة في وجدان المسلمين في أنحاء العالم. فحماية مكة المكرمة والمدينة المنورة مسؤولية عظيمة، وأمن المملكة ليس شأناً  محلياً  فحسب بل قضية تمس مشاعر المسلمين ومصالح المنطقة واستقرارها. ولا يمكن القبول بأي حال من الأحوال بأن تتحول الجماعات الإرهابية المسلحة إلى أدوات إستراتيجية لتهديد أمن الدول أو تعريض المقدسات للخطر.
وفي هذا السياق، أؤكد أن المملكة العربية السعودية بحجمها ومكانتها وقوتها  قادرة، بإذن الله، على حماية أرضها ومكتسباتها وشعبها والدفاع عن أمنها وسيادتها ومصالحها الوطنية.. وشعب المملكة العربية السعودية  شعب مخلص ووفي لوطنه وقيادته، يقف معها في كل ما تتخذه من إجراءات مشروعة واستراتيجيات دفاعية لحماية البلاد وصون مقدراتها والتصدي للتهديدات التي تستهدف أمنها واستقرارها. فالتلاحم بين القيادة والشعب يمثل ركيزة أساسية في قوة المملكة وقدرتها على مواجهة التحديات، مع التمسك بالحكمة والمسؤولية والعمل من أجل استقرار المنطقة.
وأوجّه رسالة إلى منظمة الأمم المتحدة، وإلى الدول الفاعلة في المجتمع الدولي، مفادها أن التعامل مع مليشيا الحوثي الإرهابية يجب أن يقوم على حماية أمن الدول واحترام سيادتها ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات، لا على ممارسة ضغوط سياسية تؤدي إلى منح هذه الجماعة الإرهابية فرصة للإفلات من المسؤولية. ولا ينبغي أن تتحول الدعوات إلى الحوار إلى وسيلة لحماية هذه المليشيا  الإرهابية من المساءلة أو لفرض تسويات تتجاهل حقوق الدول المتضررة وأمن شعوبها.
وأي مسار سياسي تتبناه الأمم المتحدة يجب أن يؤكد بوضوح أن وجود المليشيات المسلحة خارج إطار مؤسسات الدولة وسيادتها لا يمكن أن يكون أمراً مقبولاً  أو أساساً  لاستقرار الدول. فالدول تُبنى بالمؤسسات الشرعية، وتُصان سيادتها بجيش وطني ومؤسسات أمنية رسمية تخضع لسلطة الدولة، لا بمليشيات مسلحة تنازعها القرار والسيادة. فلا مكان للمليشيات داخل الدول التي تنشد الأمن والاستقرار،.. بل يجب أن يكون السلاح حصراً  بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، وفقاً للقانون، بما يضمن حماية الشعوب وصون سيادة الدول وتحقيق السلام المستدام..
وعموماً إن الحوار الذي يخدم السلام الحقيقي لا يكون على حساب أمن الدول وسيادتها، ولا يعني إعفاء من يهدد المدنيين أو يستهدف المنشآت والمقدسات من المسؤولية. وأي مسار سياسي ترعاه الأمم المتحدة ينبغي أن يضمن معالجة التهديدات الأمنية بصورة جادة، وأن يستند إلى الالتزامات الدولية، وأن يحول دون استخدام المفاوضات غطاءً لإعادة بناء القدرات العسكرية أو مواصلة الاعتداءات  بل يجب نزع السلاح من أيدي المليشيات، وحصره بيد الدولة الشرعية ومؤسساتها العسكرية والأمنية، لضمان سيادة القانون وحماية المواطنين، وترسيخ الأمن والاستقرار، فلا دولة قوية مع تعدد مراكز القوة والسلاح خارج إطارها.
قال الله تعالى في سورة الصف: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾، وقال سبحانه في سورة الأنفال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. وفي هاتين الآيتين تذكير للمؤمن بالثبات على الحق والتوكل على الله، مع التزام العدل والحكمة وعدم تجاوز الحق في الخصومة.
إن المملكة العربية السعودية لا تحتاج إلى الإضرار بجيرانها لتثبت قوتها، كما أن دول الخليج لا تحتاج إلى إضعاف بعضها بعضاً  لتصون مصالحها. ما تحتاج إليه المنطقة هو تعاون صادق، وتنسيق أمني فاعل، واحترام متبادل للسيادة، وموقف واضح من الجماعات المسلحة التي تهدد استقرار الدول.
لقد علّمنا رسولنا الكريم أن الجار ينبغي أن يأمن شر جاره، وهذا المبدأ يظل أساساً  للعلاقات الإنسانية والسياسية على السواء. فحسن الجوار ليس شعاراً  يرفع عند الحاجة، بل التزام يظهر في المواقف والأفعال وأمن المملكة العربية السعودية واستقرارها جزء لا يتجزأ من أمن الخليج، وحماية هذا الأمن مسؤولية تتطلب الصدق والوضوح والوفاء بالالتزامات.
نسأل الله أن يحفظ المملكة العربية السعودية وقيادتها وشعبها، وأن يحفظ دول الخليج وشعوبها من كل سوء، وأن يصون الحرمين الشريفين وأن يديم على بلادنا الأمن والاستقرار وأن يوفق الجميع إلى ما فيه خير المنطقة وأهلها.
احصل على Outlook لـ iOS

كاتب رأي 

البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي

أديب وكاتب رأي وأستاذ جامعي سابق في جامعة أم القرى ومستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.