كُتاب الرأي

الذكاء الاصطناعي.. شريك جديد للعقل البشري

الذكاء الاصطناعي.. شريك جديد للعقل البشري

بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي أستاذ جامعي سابق، ومستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة.

أقرأ كثيراً هذه الأيام في بعض المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي عن مستقبل البشرية في ظل الذكاء الاصطناعي، وعن توقعات تشير إلى أنه قد يلغي كثيراً من الوظائف ويحرم الناس من أعمالهم. وبينما تبدو بعض هذه التوقعات مخاوف واقعية، قد يبدو بعضها الآخر مبالغاً فيه أو خيالياً، فإنها جميعاً تحتاج، في تقديري، إلى مزيد من الدراسة والبحث وقراءة أشمل للمشهد، بعيداً عن الخوف المجرد من تقنية ستؤثر بلا شك في مختلف جوانب الحياة.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد فكرة مستقبلية، بل أصبح واقعاً حاضراً يتغلغل في تفاصيل حياتنا وأعمالنا. وهو قادر على تحليل كميات هائلة من المعلومات، والمساعدة في مجالات البحث والطب والهندسة والتعليم والإدارة وغيرها من المجالات.

لكن السؤال الأهم ليس: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائفنا؟ بل: كيف سيغير طبيعة أعمالنا، ومهامنا، وخبراتنا، ومهاراتنا؟

قد تتراجع بعض الأعمال الروتينية، وربما تختفي بعض الوظائف، لكن وظائف جديدة ستظهر بالتأكيد، كما ستتغير مهام كثير من الوظائف القائمة. فالطبيب، على سبيل المثال، يتعامل اليوم مع أدوات أكثر ذكاءً، بل إن بعض الجراحين يستخدمون الروبوتات في عدد من العمليات الجراحية. والمهندس سيستعين بأنظمة أكثر قدرة على التحليل والمراجعة والتصميم، بينما سيجد المعلم نفسه أمام وسائل وأساليب تعليمية جديدة تساعده على تخصيص التعليم. وربما يعمل الطيار مستقبلاً في قمرة قيادة تعتمد بدرجة كبيرة على أنظمة تقنية ذكية.

وهنا تتضح المشكلة الحقيقية؛ فمن لا يستطيع التعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي قد يجد نفسه خارج سوق العمل، لا لأن التقنية تستهدفه، بل لأن التطور الحالي والمستقبلي لا ينتظر من يرفض تعلم كيفية التعامل مع أدوات وبرامج الذكاء الاصطناعي. لذلك، لا يفيد أن نتعامل مع هذه التقنية بالخوف من المستقبل أو برفضها، وإنما المطلوب هو الفهم الواعي، والقدرة على استخدامها بطريقة إنسانية ذكية.

علينا أن نعرف كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي ونتفاعل معه بما يزيد قدراتنا، ويوسع معارفنا، وينمي مهاراتنا العقلية، لا بما يعطلها أو يلغي دورها. كما ينبغي أن نستفيد من سرعته الكبيرة في التحليل، مع الحفاظ على أهمية الإنسان في مواقع العمل والقرار والمسؤولية.

ولو نظرنا إلى الموضوع من الناحية الاستراتيجية، لوجدنا أن التحدي الحقيقي أمام المؤسسات والشركات والدول لا يتمثل في امتلاك تقنيات الذكاء الاصطناعي فحسب، بل في إعادة تأهيل الإنسان للتعامل معها. فالتنافس القادم لن يكون بالضرورة بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان لا يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي، وإنسان يعرف كيف يوظفها ويتعامل معها بكفاءة.

وخلاصة القول إن الذكاء الاصطناعي لن ينتظرنا، ولن يتوقف حتى نتدرب عليه ونطمئن إلى استخدامه. فهو يتحرك بسرعة متناهية، ويضيف إلى قدراته تقنيات جديدة كل يوم، بل كل ساعة تقريباً.

لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ بل: هل سيبقى الإنسان قادراً على تطوير نفسه بالسرعة نفسها التي تتطور بها الآلة؟ وهل يستطيع اللحاق بقطار هذه التقنية المتسارعة؟

إن الخطر الحقيقي يكمن في أن يبقى الإنسان صامتاً وثابتاً لا يتحرك، بينما يتقدم العالم من حوله.

وربما لا يخسر الإنسان وظيفته لأن آلة الذكاء الاصطناعي أذكى منه، بل لأنه لم يتعلم كيف يتعلم، ولم يعرف كيف يتعامل معها.

ومن هذا المنطلق، فإن المقارنة الحقيقية ليست بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، وإنما بين إنسان يقود التقنية باقتدار، وإنسان تقوده التقنية.

وفي رأيي المتواضع، ستظل الأفضلية والثقة لمن يدرك أن أعظم الاستثمارات في عصر الذكاء الاصطناعي لا تكمن في الآلة وحدها، بل في العقل البشري القادر على برمجتها وتوجيهها. فالإنسان هو الذي يقرر، وهو الذي يقود. قد تتحرك الآلة وتفكر بسرعة، لكن الإنسان يظل القائد؛ فلاحق بالتقنية، وتعلم، وكن أنت القائد.

كاتب رأي 

البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي

أديب وكاتب رأي وأستاذ جامعي سابق في جامعة أم القرى ومستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.