كُتاب الرأي

الإعلام السعودي حكاية تروى

الإعلام السعودي حكاية تروى

بقلم: بدر بن سالم

ثم تمضي بنا الحكاية إلى وجهٍ آخر من وجوه الوطن…

إلى الإعلام السعودي؛

ذلك الصوت الذي رافق البيوت، والسيارات، والمقاهي، والطرقات، وكان جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.

بدأ الفن السعودي حضوره من جدة، عبر الإذاعة، ثم جاء التلفزيون يحمل لنا صورًا جديدة من الحياة، فكانت البرامج والأصوات التي لا تزال عالقة في الذاكرة؛ صوت بدر كريم، وحسين النجار في البرنامج الثاني، ثم انتقل التلفزيون إلى الرياض، فكان لصوت ماجد الشبل حضوره المختلف، وصوته الذي كان يصل إلى البيوت وكأنه يعرف الطريق إليها.

وكان برنامج «مع الناس» مع محمد العيسى، وغيرها من البرامج التي كانت تأتي من مناطق المملكة، تحمل لنا أخبار الوطن وحكايات أهله.

كانت الإذاعة في ذلك الزمن كنسيم عليل…

تأتيك وأنت في طريقك، ترافقك في مركبتك، وتجلس معك في وحدتك، حتى تشعر أن الصوت الذي يأتي من المذياع ليس غريبًا عنك، بل واحدًا من أهل البيت.

ثم جاءت الإذاعات السعودية الخاصة، وبدأ صوت آخر يتشكل في المشهد الإعلامي؛ فاستمعنا إلى سعود الدوسري، وأحمد الحامد، وبرامج اللقاءات مع المشاهير، وصباحات أميرة الفضل، وخديجة الوعل، وأصبح للإذاعة جيل جديد، وأسلوب جديد، وذاكرة جديدة.

أما التلفزيون…

فكان له حكاية أخرى.

كان البث فترتين؛ صباحية ومسائية، وكان الانتظار بينهما متعبًا للنفس حقًا!

ننتظر عودة الشاشة، وننتظر المسلسل، وننتظر البرنامج، وننتظر الفنان الذي أحببناه، وكأن التلفزيون موعد يومي لا يجوز أن نفوته.

ثم بدأت الدراما السعودية تأخذ مكانها في وجدان الناس، بأسماء كبيرة مثل حسن دردير، ولطفي زيني، وبمشاركة أساتذة الفن والغناء، طلال مداح ومحمد عبده.

ولا أنسى مسلسل الفنان والكاتب القدير محمد حمزة، «أصابع الزمن»؛ ذلك العمل الذي ترك أثرًا عميقًا، وأبكى الوطن العربي، وجعل الدراما السعودية تتجاوز حدود المكان، لتصل إلى قلوب المشاهدين في العالم العربي.

حتى جاءت التسعينات…

وجاء معها اتساع المشهد الإعلامي، وظهور القنوات التي غطت المملكة، ووصلت بالأعمال السعودية إلى العالم العربي.

فكان «طاش ما طاش» حاضرًا في كل بيت تقريبًا، وجاءت أعمال مثل «خلك معي» و«بيني وبينك»، لتصبح اللهجة السعودية وشخصيات المجتمع وحكاياته جزءًا من ذاكرة المشاهد العربي.

وكانت تلك نقلة إعلامية عظيمة…

ولا تزال همة عظيمة تشهدها المملكة اليوم، يقودها أصحاب القنوات، والمبدعون، والموهوبون من الكوادر السعودية، رجالًا ونساءً، الذين حملوا الإعلام من زمن البث المحدود إلى زمن الفضاء المفتوح والمنصات الرقمية.

ثم يأتي العالم الورقي…

الصحافة السعودية.

بدأت الصحافة بنشر الأخبار المهمة التي تمس حياة الناس والوطن، ثم اتسعت مساحتها لتحتضن الصفحة الثقافية، فخرج منها أدباء وكتاب أصبح لهم ثقلهم في المنطقة والوطن العربي، وبعضهم تجاوز الحدود إلى المشهد العالمي.

وكانت الصحف في بداياتها بأقلام وإصدارات محدودة، ثم تحولت إلى صحافة يومية؛ صحف تأتيك مع الصباح الباكر، وأخرى تصدر في المساء.

وكانت الصحيفة في يد الرجل جزءًا من صباحه…

مع القهوة.

ثم تغيرت الصحافة، وتغيرت معها الصورة؛ انتقلت الصحف من الأبيض والأسود إلى الألوان، ومن الورق إلى الشاشة، ومن انتظار الصباح إلى وصول الخبر في لحظته.

وأنا اليوم أعيش جزءًا من هذه الرحلة…

وأتشرف أن أكتب في جريدتي، «آخر أخبار الأرض»، وسط كوكبة نادرة من الأكاديميين والأدباء والكتّاب، وأفخر كسعودي بأسرة التحرير وكل موظف يعمل خلف هذه الصفحات.

لأن الصحافة ليست ورقًا فقط…

الصحافة ذاكرة وطن.

ثم جاءت الصفحة الفنية…

وكانت في الستينات والسبعينات الميلادية في أوج نشاطها، خصوصًا مع المنافسة الجميلة بين مدرستين كبيرتين في الفن السعودي؛ مدرسة الراحل الأستاذ طلال مداح، ومدرسة الأستاذ محمد عبده.

ومن تلك المنافسة الجميلة اشتعلت الفتيلة…

فبدأت بأعمال الأستاذ محمد عبده، ثم جاء الراحل طلال مداح برائعته «مقادير»، وأصبح التنافس بين العملاقين طريقًا جديدًا جعل الفن السعودي أقرب إلى أذن المستمع العربي.

لم تكن منافسة كسر…

بل كانت منافسة بناء.

كل فنان يرفع سقف الآخر، وكل أغنية تفتح الباب لأغنية أجمل.

ثم جاءت مفاجأة الجنادرية…

«مولد أمة».

وغنّى الأستاذان معًا، فاجتمع الصوتان اللذان اختلف الناس في محبتهما، واتفق الجميع على محبتهما للوطن.

وكانت حقبة لا تُنسى أبدًا.

ثم جاءت الصفحة الرياضية…

وهنا تبدأ حكاية أخرى من الفرح، والانتظار، والدموع، والانتصارات.

كان كأس الخليج حاضرًا في وجداننا، وكانت «الدلة» من أوائل رموز البطولة ورعاتها من المملكة، وكان وراءها فكر ودعم من صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، وتنقلت بين دول الخليج، وظل المنتخب السعودي يطاردها سنوات طويلة، حتى جاءت اللحظة التي رفعها أبناؤنا.

ثم جاءت آسيا…

ورفعها الكابتن صالح النعيمة، فكانت لحظة وطن.

ولا أنسى الأستاذ علي داود، حين كان يعيش المباراة بكل تفاصيلها، حتى أتذكر ذلك الموقف الطريف حين سحب صينية وكسر طقم الصيني كله! 😂

ولا أنسى شيخ المدربين خليل الزياني، ولا ذلك الجيل الذي صنع للكرة السعودية مجدًا كبيرًا، ثم جاء جيل يوسف الثنيان، وفهد الهريفي، وعبدالله الدعيع، وغيرهم من النجوم الذين جعلوا اسم المملكة حاضرًا في الملاعب الآسيوية.

ثم جاءت محطات أخرى…

وخاصة عام 1996، حين تأخر المنتخب، وكانت مباراة الصين واحدة من أكثر المباريات التي لا تُنسى.

تأخرنا بهدفين…

ثم لعب يوسف الثنيان بديلًا عن الكابتن محمد شلية، وكانت مغامرة عنوانها:

الفوز… أو الفوز.

وانتهت الحكاية بفوز السعودية أربعة أهداف مقابل هدفين على المنتخب الصيني.

ثم جاء كأس الخليج…

فحققناه.

وكانت الفرحة هستيرية!

ثم جاء كأس العرب، وكانت الصحف تتغنى، والشعب يفرح، والوطن يعيش لحظة أخرى من لحظات الانتصار.

وفي تلك الأيام كانت الكلمات نفسها تتحول إلى مدرج…

وكان الأمير عبدالرحمن بن مساعد يكتب، وعبادي الجوهر يغني، والجمهور يردد:

«جاكم الإعصار…

الإعصار الأخضر».

كان الأخضر يومها أكثر من منتخب…

كان حكاية شعب.

كان الأب يجلس بجانب ابنه، والكبير يشرح للصغير، والحي كله يتحول إلى مدرج، والسيارة التي تمر في الشارع تحمل علمًا، والبيت الذي يخرج منه صوت المباراة تعرف أن فيه قلبًا سعوديًا ينتظر الفرح.

وهكذا…

من صوت الإذاعة في جدة،

إلى صوت ماجد الشبل في الرياض،

ومن شاشة التلفزيون بالأبيض والأسود،

إلى القنوات التي حملت صورتنا إلى العالم،

ومن الصحيفة التي كانت تنتظر الصباح،

إلى الخبر الذي يصل إلى هاتفك في لحظته،

ومن طلال مداح ومحمد عبده،

إلى أجيال الفن السعودي الجديدة،

ومن مدرجات الخليج،

إلى منصات آسيا والعالم…

كانت المسيرة واحدة.

مسيرة وطن يتغير…

ولا يفقد ذاكرته.

وطنٌ عرف كيف يحفظ صوته، وصورته، وأغنيته، وصحيفته، وفنه، ورياضته، ثم يمضي بها إلى المستقبل.

هذه هي حكاية السعودية…

ليست حكاية مدنٍ فقط،

ولا طرقٍ وجبالٍ وصحارى،

ولا تاريخٍ مكتوب في الكتب.

إنها حكاية أصواتٍ عشنا معها،

وأغانٍ حفظناها،

ومذيعين انتظرناهم،

وفنانين أحببناهم،

وصحفٍ كانت تصل إلى أيدينا،

ومباريات جعلتنا نقف جميعًا أمام شاشة واحدة،

نختلف في توقع النتيجة…

لكننا نتفق في شيء واحد:

أن هذا الوطن لنا…

وأن فرحته فرحتنا.

ومن هنا…

نصل إلى سبتمبر.

إلى اليوم الذي لا يشبه الأيام.

إلى يومٍ تختصر فيه كل الحكايات نفسها في اسم واحد:

السعودية.

٢٣ سبتمبر…

يومٌ لا نحتفل فيه بوطنٍ نعيش فوق أرضه فقط،

بل بوطنٍ يسكن في أصواتنا، وذكرياتنا، ولهجاتنا، وأغانينا، وكتبنا، وصحفنا، وملاعبنا، وفي كل طريقٍ مشيناه ونحن نكبر معه.

كل عام والوطن بخير…

كل عام والسعودية تمضي إلى الأمام،

وتأخذ معها تاريخها، وذاكرتها، وأحلام أبنائها.

كل عام ونحن للسعودية…

وكل عام والسعودية لنا.

كاتب رأي 

 

 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.