كُتاب الرأي

ولا يزال الملك عبدالعزيز…

٢٣ سبتمبر

ولا يزال الملك عبدالعزيز…

بدر بن سالم

بهمةٍ لا تعرف التراجع،
وإصرارٍ لا يعرف المستحيل،
يمضي في رحلته التي بدأت من الرياض، حتى اكتملت ملامح الجزيرة العربية تحت راية واحدة.
نحو اثنين وثلاثين عامًا هجريًا…
منذ أن استعاد الرياض،
حتى جاء اليوم الذي أعلن فيه توحيد البلاد،
وتغيّر اسمها من مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها إلى المملكة العربية السعودية.
لم يكن ذلك اليوم نهاية الحكاية…
بل كان بداية مرحلة جديدة.
فبعد أن اجتمعت الأرض تحت راية واحدة،
بدأت رحلة أخرى…
رحلة بناء المدن،
وإعمار الحرمين،
وشق الطرق،
وتأسيس التعليم،
وفتح أبواب المستقبل أمام أجيال لم تولد بعد.
وكأن عبدالعزيز، وهو ينظر إلى تلك الجزيرة التي وحّد أطرافها،
كان يعرف أن توحيد الأرض لا يكتمل إلا ببناء الإنسان.
ومن هنا…
نمضي بين أربع مدن.
مكة…
والمدينة…
وجدة…
والطائف.
أربع مدن،
لكل واحدة منها وجه،
ولكل واحدة حكاية،
لكنها جميعًا تحمل شيئًا من روح هذا الوطن.
في مكة…
حيث تبدأ الحكاية من بيتٍ عتيق،
وحيث تتجه القلوب قبل الخطى،
وحيث تلتقي وجوه الناس من كل الجهات عند قبلة واحدة.
هناك…
لا تبدو الجبال صامتة.
ففي شعابها ذاكرة أمة،
وفي أزقتها حكايات قوافل،
وفي ساحات المسجد الحرام دعواتٌ صعدت إلى السماء،
وظلت مكة كما كانت دائمًا…
قلبًا لا يحتاج إلى أن يشرح مكانته.
كانت مكة محاطةً بالجبال،
وكان الحرم في قلب تلك الجبال،
فجاءت عقود البناء السعودي لتقول إن خدمة ضيوف الرحمن لا تقف عند حدود الممكن.
توسعةٌ بعد توسعة…
وطريقٌ بعد طريق…
ومشروعٌ يتبعه مشروع.
حتى تغير وجه مكة،
وبقي قلبها كما هو.
وتلافت السيول،
وتحسنت الطرق،
وتوسعت ساحات الحرم،
وصار الوصول إلى بيت الله أكثر يسرًا وأمنًا.
وتعلمنا من حكامنا، رحم الله من رحل منهم وحفظ من بقي،
أن المستحيل ليس مستحيلًا…
بل قد يكون مشروعًا يحتاج إلى وقت أطول.
واليوم…
حين تنظر إلى الحرم المكي،
تشعر أن الجبال نفسها قد تراجعت قليلًا،
لتفسح المجال لمشهدٍ يملأ القلب طمأنينة.
الأبراج العالية تحيط بالمكان،
وساعة مكة الشهيرة تضيء من بعيد،
وحين تكون بعيدًا عن الحرم ثم ترى مواقيت الصلاة عليها،
تعرف أن الوقت قد أتى…
وقت الصلاة.
وحتى زمزم…
ذلك الماء الذي ارتبط بذاكرة المكان منذ هاجر،
امتدت إليه يد العناية والتطوير،
حتى أصبح تقديمه للحاج والمعتمر جزءًا من منظومة متكاملة لخدمة ضيوف الرحمن.
وهكذا…
لم تعد خدمة الحرم تعني بناء الجدران فقط.
بل تعني أن يفكر المسؤول في الطريق الذي يسلكه الحاج،
وفي الماء الذي يشربه،
وفي الظل الذي يستريح تحته،
وفي سلامته منذ وصوله حتى مغادرته.
ثم تمضي إلى المدينة…
فتشعر أن للسكينة مكانًا يمكن أن تسكنه.
مدينةٌ دخلها النبي ﷺ مهاجرًا،
فدخلت معه مرحلة جديدة من تاريخ الإنسان.
في طرقاتها مشى الصحابة،
وفي مسجدها اجتمعت القلوب قبل أن تجتمع الصفوف،
وعلى ترابها بقيت سيرة رجلٍ غيّر وجه التاريخ.
المدينة ليست مدينةً فقط…
إنها ذاكرةٌ تمشي بهدوء.
وكلما مررت بها شعرت أن الماضي ليس خلفك،
بل يمشي إلى جوارك.
ومنذ عهد الملك عبدالعزيز،
كان المسجد النبوي حاضرًا في قلب مشروع الدولة السعودية.
ثم جاءت التوسعات المتتابعة،
حتى بلغت في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز توسعة كبرى غيّرت ملامح المسجد والمنطقة المحيطة به، وأضافت مساحات هائلة لاستقبال المصلين والزائرين، ثم استمرت مسيرة التوسعة والعناية في عهد الملك عبدالله والملك سلمان حفظهما الله.
وكأن كل ملكٍ من ملوك هذه البلاد يقول لمن بعده:
هذه أمانة… فأكملها.
فمن التوسعة إلى المظلات،
ومن الرخام إلى القباب المتحركة،
ومن المآذن إلى الساحات،
كل شيءٍ صُمم ليكون الحاج والمعتمر والزائر في راحة وطمأنينة.
وفي المدينة…
لا يكتمل المشهد دون القرآن.
فمن هذه الأرض خرجت مصاحف تحمل اسم المدينة إلى أنحاء العالم،
ومجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف أصبح من أبرز مؤسسات خدمة كتاب الله ونشره وطباعة المصحف بمختلف إصداراته.
فتجد المصحف…
وتجد السجاد…
وتجد الهدايا…
وتجد في تفاصيل المكان عنايةً تقول للزائر:
أنت في مدينة رسول الله ﷺ.
ثم جدة…
البحر يفتح ذراعيه للمدينة،
والمدينة تفتح أبوابها للعالم.
جدة التي عرفت السفن قبل السيارات،
وعرفت الحجاج قبل الطائرات،
وكانت بوابةً يصل منها القادمون إلى أرض الحرمين.
مدينةٌ فيها رائحة البحر،
وصوت الأسواق،
وظلال البيوت القديمة،
وفيها ذلك المزيج الجميل بين ذاكرة الأمس وجرأة الغد.
جدة…
ليست مدينة ساحلية فقط.
إنها مدينةٌ تعلّمت من البحر أن تستقبل القادم،
ومن التجارة أن تعرف قيمة الحركة،
ومن اختلاف الناس أن تصنع لنفسها شخصية لا تشبه غيرها.
ومن أجمل ما صنعته جدة في ذاكرتها الحديثة…
الفن.
تلك المجسمات التي انتشرت في ميادينها وطرقاتها،
حتى تحولت بعض شوارعها ودواراتها إلى ما يشبه المتحف المفتوح.
وكان لمرحلة أمين جدة الدكتور محمد سعيد فارسي رحمه الله أثرٌ بارز في انتشار هذه المجسمات، بمشاركة فنانين ومصممين سعوديين وعالميين.
ففي جدة…
حتى الدوار قد يحمل فكرة.
وحتى الحديد قد يتحول إلى حكاية.
وحتى الشارع يمكن أن يصبح لوحة.
ولا تزال تلك الأعمال الفنية جزءًا من ذاكرة المدينة،
تذكر أهلها بجدة التي أحبّت الفن،
وأحبّت أن تجعل من الطريق مساحةً للجمال.
وأنا…
لا زلت أحن إلى ساحل البحر.
إلى جدة حين يهدأ موجها،
وحين يلتقي الأفق بالماء،
وحين تجلس أمام البحر فلا تعرف…
هل الذي أمامك نهاية المدينة،
أم بداية العالم؟
ولأهل الغربية علاقتهم الخاصة بالحرم.
فقد يمضي الشهر…
ثم يأتي الفراق.
وتشعر أن المدينة التي تعود إليها ليست هي المدينة التي غادرتها،
لأن القلب ترك شيئًا منه هناك.
وكأن الحجاز كله…
يشتاق إلى الحرم.
وكانت جدة دائمًا تقول للعالم:
من هنا يبدأ الطريق.
ثم تصعد إلى الطائف…
فتتغير السماء.
يخف وهج الساحل،
وتأتي الجبال محملةً بالهواء البارد،
وتفتح البساتين ذراعيها للورد.
الطائف…
مدينةٌ كأن الطبيعة اختارت أن تكتب فيها قصيدة.
وردها ليس مجرد ورد،
وجبالها ليست مجرد جبال،
وسحابها حين يمر فوقها يمنح المكان شيئًا من الحلم.
في الطائف…
تشم رائحة الورد قبل أن تراه.
وتجلس للقهوة،
وتراقب السحاب وهو يعبر الجبال،
وتتذكر أن هذه المدينة عرفت منذ زمن بعيد كيف تجعل الصيف أقل قسوة.
وهناك…
مصانع الورد،
وماء الورد،
وحكايات الأسواق،
وذكريات المصايف.
حتى العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه،
ترتبط به روايات ومواقف في تاريخ الطائف،
فتشعر أن المكان لم يكن يومًا منفصلًا عن التاريخ.
والطائف لا تحتاج إلى كثير من الكلام…
يكفي أن يمر السحاب.
فتصمت المدينة قليلًا…
ويبدأ الشعر.
أربع مدن…
مكة للقبلة…
والمدينة للسيرة…
وجدة للبحر والبوابة…
والطائف للورد والجبال.
لكنها، رغم اختلاف ملامحها،
تلتقي في شيء واحد.
أنها لم تكن يومًا مجرد أماكن على الخريطة.
كانت محطات في قصة وطن.
من مكة بدأت القبلة،
ومن المدينة امتدت دولة الإسلام الأولى،
ومن جدة انفتح البحر على العالم،
ومن الطائف جاءت رائحة الورد من بين الجبال.
واليوم…
حين تنظر إلى هذه المدن،
لا ترى الماضي واقفًا خلفها.
تراه يسير معها.
في مسجدٍ عتيق،
وفي سوقٍ قديم،
وفي بيتٍ بقي شاهدًا على أهله،
وفي طريقٍ تغيرت ملامحه،
وفي جيلٍ جديد يحمل ذاكرة الذين سبقوه.
مدنٌ كبرت…
لكنها لم تكبر على ذاكرتها.
ومع كل طريقٍ جديد،
ومع كل مشروعٍ يولد،
ومع كل نافذةٍ تفتح على المستقبل…
تبقى الحكاية واحدة.
حكاية وطنٍ لم يقطع صلته بماضيه،
بل حمله معه إلى المستقبل.
فمكة قلب الحكاية…
والمدينة روحها…
وجدة نافذتها على البحر…
والطائف وردتها بين الجبال.
أما الوطن…
فهو الحكاية التي جمعت كل هذه المدن،
وجعلت من اختلافها جمالًا،
ومن تاريخها ذاكرة،
ومن مستقبلها موعدًا جديدًا.
وفي الساحل الغربي…
يظل للبحر صوته.
وكأن خالد الفيصل اختصر شيئًا من حنين المكان حين قال:
«دستور يا الساحل الغربي
فليّت في بحرك شراعي
ياموج هوّن على قلبي
داعيه من شطكم داعي»
ثم تسكت الكلمات…
ويبقى البحر.
وتبقى مكة…
وتبقى المدينة…
وتبقى جدة…
ويبقى الطائف.
وتبقى السعودية…
حكايةً بدأت براية،
واكتملت بوطن،
وما زالت تمضي إلى المستقبل.٢٣ سبتمبر
ولا يزال الملك عبدالعزيز…
بهمةٍ لا تعرف التراجع،
وإصرارٍ لا يعرف المستحيل،
يمضي في رحلته التي بدأت من الرياض، حتى اكتملت ملامح الجزيرة العربية تحت راية واحدة.
نحو اثنين وثلاثين عامًا هجريًا…
منذ أن استعاد الرياض،
حتى جاء اليوم الذي أعلن فيه توحيد البلاد،
وتغيّر اسمها من مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها إلى المملكة العربية السعودية.
لم يكن ذلك اليوم نهاية الحكاية…
بل كان بداية مرحلة جديدة.
فبعد أن اجتمعت الأرض تحت راية واحدة،
بدأت رحلة أخرى…
رحلة بناء المدن،
وإعمار الحرمين،
وشق الطرق،
وتأسيس التعليم،
وفتح أبواب المستقبل أمام أجيال لم تولد بعد.
وكأن عبدالعزيز، وهو ينظر إلى تلك الجزيرة التي وحّد أطرافها،
كان يعرف أن توحيد الأرض لا يكتمل إلا ببناء الإنسان.
ومن هنا…
نمضي بين أربع مدن.
مكة…
والمدينة…
وجدة…
والطائف.
أربع مدن،
لكل واحدة منها وجه،
ولكل واحدة حكاية،
لكنها جميعًا تحمل شيئًا من روح هذا الوطن.
في مكة…
حيث تبدأ الحكاية من بيتٍ عتيق،
وحيث تتجه القلوب قبل الخطى،
وحيث تلتقي وجوه الناس من كل الجهات عند قبلة واحدة.
هناك…
لا تبدو الجبال صامتة.
ففي شعابها ذاكرة أمة،
وفي أزقتها حكايات قوافل،
وفي ساحات المسجد الحرام دعواتٌ صعدت إلى السماء،
وظلت مكة كما كانت دائمًا…
قلبًا لا يحتاج إلى أن يشرح مكانته.
كانت مكة محاطةً بالجبال،
وكان الحرم في قلب تلك الجبال،
فجاءت عقود البناء السعودي لتقول إن خدمة ضيوف الرحمن لا تقف عند حدود الممكن.
توسعةٌ بعد توسعة…
وطريقٌ بعد طريق…
ومشروعٌ يتبعه مشروع.
حتى تغير وجه مكة،
وبقي قلبها كما هو.
وتلافت السيول،
وتحسنت الطرق،
وتوسعت ساحات الحرم،
وصار الوصول إلى بيت الله أكثر يسرًا وأمنًا.
وتعلمنا من حكامنا، رحم الله من رحل منهم وحفظ من بقي،
أن المستحيل ليس مستحيلًا…
بل قد يكون مشروعًا يحتاج إلى وقت أطول.
واليوم…
حين تنظر إلى الحرم المكي،
تشعر أن الجبال نفسها قد تراجعت قليلًا،
لتفسح المجال لمشهدٍ يملأ القلب طمأنينة.
الأبراج العالية تحيط بالمكان،
وساعة مكة الشهيرة تضيء من بعيد،
وحين تكون بعيدًا عن الحرم ثم ترى مواقيت الصلاة عليها،
تعرف أن الوقت قد أتى…
وقت الصلاة.
وحتى زمزم…
ذلك الماء الذي ارتبط بذاكرة المكان منذ هاجر،
امتدت إليه يد العناية والتطوير،
حتى أصبح تقديمه للحاج والمعتمر جزءًا من منظومة متكاملة لخدمة ضيوف الرحمن.
وهكذا…
لم تعد خدمة الحرم تعني بناء الجدران فقط.
بل تعني أن يفكر المسؤول في الطريق الذي يسلكه الحاج،
وفي الماء الذي يشربه،
وفي الظل الذي يستريح تحته،
وفي سلامته منذ وصوله حتى مغادرته.
ثم تمضي إلى المدين
فتشعر أن للسكينة مكانًا يمكن أن تسكنه.
مدينةٌ دخلها النبي ﷺ مهاجرًا،
فدخلت معه مرحلة جديدة من تاريخ الإنسان.
في طرقاتها مشى الصحابة،
وفي مسجدها اجتمعت القلوب قبل أن تجتمع الصفوف،
وعلى ترابها بقيت سيرة رجلٍ غيّر وجه التاريخ.
المدينة ليست مدينةً فقط…
إنها ذاكرةٌ تمشي بهدوء.
وكلما مررت بها شعرت أن الماضي ليس خلفك،
بل يمشي إلى جوارك.
ومنذ عهد الملك عبدالعزيز،
كان المسجد النبوي حاضرًا في قلب مشروع الدولة السعودية.
ثم جاءت التوسعات المتتابعة،
حتى بلغت في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز توسعة كبرى غيّرت ملامح المسجد والمنطقة المحيطة به، وأضافت مساحات هائلة لاستقبال المصلين والزائرين، ثم استمرت مسيرة التوسعة والعناية في عهد الملك عبدالله والملك سلمان حفظهما الله.
وكأن كل ملكٍ من ملوك هذه البلاد يقول لمن بعده:
هذه أمانة… فأكملها.
فمن التوسعة إلى المظلات،
ومن الرخام إلى القباب المتحركة،
ومن المآذن إلى الساحات،
كل شيءٍ صُمم ليكون الحاج والمعتمر والزائر في راحة وطمأنينة.
وفي المدينة…
لا يكتمل المشهد دون القرآن.
فمن هذه الأرض خرجت مصاحف تحمل اسم المدينة إلى أنحاء العالم،
ومجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف أصبح من أبرز مؤسسات خدمة كتاب الله ونشره وطباعة المصحف بمختلف إصداراته.
فتجد المصحف…
وتجد السجاد…
وتجد الهدايا…
وتجد في تفاصيل المكان عنايةً تقول للزائر:
أنت في مدينة رسول الله ﷺ.
ثم جدة…
البحر يفتح ذراعيه للمدينة،
والمدينة تفتح أبوابها للعالم.
جدة التي عرفت السفن قبل السيارات،
وعرفت الحجاج قبل الطائرات،
وكانت بوابةً يصل منها القادمون إلى أرض الحرمين.
مدينةٌ فيها رائحة البحر،
وصوت الأسواق،
وظلال البيوت القديمة،
وفيها ذلك المزيج الجميل بين ذاكرة الأمس وجرأة الغد.
جدة…
ليست مدينة ساحلية فقط.
إنها مدينةٌ تعلّمت من البحر أن تستقبل القادم،
ومن التجارة أن تعرف قيمة الحركة،
ومن اختلاف الناس أن تصنع لنفسها شخصية لا تشبه غيرها.
ومن أجمل ما صنعته جدة في ذاكرتها الحديثة…
الفن.
تلك المجسمات التي انتشرت في ميادينها وطرقاتها،
حتى تحولت بعض شوارعها ودواراتها إلى ما يشبه المتحف المفتوح.
وكان لمرحلة أمين جدة الدكتور محمد سعيد فارسي رحمه الله أثرٌ بارز في انتشار هذه المجسمات، بمشاركة فنانين ومصممين سعوديين وعالميين.
ففي جدة…
حتى الدوار قد يحمل فكرة.
وحتى الحديد قد يتحول إلى حكاية.
وحتى الشارع يمكن أن يصبح لوحة.
ولا تزال تلك الأعمال الفنية جزءًا من ذاكرة المدينة،
تذكر أهلها بجدة التي أحبّت الفن،
وأحبّت أن تجعل من الطريق مساحةً للجمال.
وأنا…
لا زلت أحن إلى ساحل البحر.
إلى جدة حين يهدأ موجها،
وحين يلتقي الأفق بالماء،
وحين تجلس أمام البحر فلا تعرف…
هل الذي أمامك نهاية المدينة،
أم بداية العالم؟
ولأهل الغربية علاقتهم الخاصة بالحرم.
فقد يمضي الشهر…
ثم يأتي الفراق.
وتشعر أن المدينة التي تعود إليها ليست هي المدينة التي غادرتها،
لأن القلب ترك شيئًا منه هناك.
وكأن الحجاز كله…
يشتاق إلى الحرم.
وكانت جدة دائمًا تقول للعالم:
من هنا يبدأ الطريق.
ثم تصعد إلى الطائف…
فتتغير السماء.
يخف وهج الساحل،
وتأتي الجبال محملةً بالهواء البارد،
وتفتح البساتين ذراعيها للورد.
الطائف…
مدينةٌ كأن الطبيعة اختارت أن تكتب فيها قصيدة.
وردها ليس مجرد ورد،
وجبالها ليست مجرد جبال،
وسحابها حين يمر فوقها يمنح المكان شيئًا من الحلم.
في الطائف…
تشم رائحة الورد قبل أن تراه.
وتجلس للقهوة،
وتراقب السحاب وهو يعبر الجبال،
وتتذكر أن هذه المدينة عرفت منذ زمن بعيد كيف تجعل الصيف أقل قسوة.
وهناك…
مصانع الورد،
وماء الورد،
وحكايات الأسواق،
وذكريات المصايف.
حتى العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه،
ترتبط به روايات ومواقف في تاريخ الطائف،
فتشعر أن المكان لم يكن يومًا منفصلًا عن التاريخ.
والطائف لا تحتاج إلى كثير من الكلام…
يكفي أن يمر السحاب.
فتصمت المدينة قليلًا…
ويبدأ الشعر.
أربع مدن…
مكة للقبلة…
والمدينة للسيرة…
وجدة للبحر والبوابة…
والطائف للورد والجبال.
لكنها، رغم اختلاف ملامحها،
تلتقي في شيء واحد.
أنها لم تكن يومًا مجرد أماكن على الخريطة.
كانت محطات في قصة وطن.
من مكة بدأت القبلة،
ومن المدينة امتدت دولة الإسلام الأولى،
ومن جدة انفتح البحر على العالم،
ومن الطائف جاءت رائحة الورد من بين الجبال.
واليوم…
حين تنظر إلى هذه المدن،
لا ترى الماضي واقفًا خلفها.
تراه يسير معها.
في مسجدٍ عتيق،
وفي سوقٍ قديم،
وفي بيتٍ بقي شاهدًا على أهله،
وفي طريقٍ تغيرت ملامحه،
وفي جيلٍ جديد يحمل ذاكرة الذين سبقوه.
مدنٌ كبرت…
لكنها لم تكبر على ذاكرتها.
ومع كل طريقٍ جديد،
ومع كل مشروعٍ يولد،
ومع كل نافذةٍ تفتح على المستقبل…
تبقى الحكاية واحدة.
حكاية وطنٍ لم يقطع صلته بماضيه،
بل حمله معه إلى المستقبل.
فمكة قلب الحكاية…
والمدينة روحها…
وجدة نافذتها على البحر…
والطائف وردتها بين الجبال.
أما الوطن…
فهو الحكاية التي جمعت كل هذه المدن،
وجعلت من اختلافها جمالًا،
ومن تاريخها ذاكرة،
ومن مستقبلها موعدًا جديدًا.
وفي الساحل الغربي…
يظل للبحر صوته.
وكأن خالد الفيصل اختصر شيئًا من حنين المكان حين قال:
«دستور يا الساحل الغربي
فليّت في بحرك شراعي
ياموج هوّن على قلبي
داعيه من شطكم داعي»
ثم تسكت الكلمات…
ويبقى البحر.
وتبقى مكة…
وتبقى المدينة…
وتبقى جدة…
ويبقى الطائف.
وتبقى السعودية…
حكايةً بدأت براية،
واكتملت بوطن،
وما زالت تمضي إلى المستقبل.

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.