كُتاب الرأي

التغيير.. حين يكون المجهول أهون من المألوف

التغيير.. حين يكون المجهول أهون من المألوف

بدر بن سالم 

أنت تعلم، عزيزي القارئ، أنني أحب عرض وجهات النظر المتعددة، وربما كان ذلك من أثر ملازمتي لمركز الإرشاد الأسري «تعارف»، وكثرة نقاشي مع المستشارين فيه حول سؤال يتكرر كثيرًا: ماذا لو؟
هذه السطور ليست وصاية على أحد، ولا أملك أن أقرر عن الناس ما يصلح لهم وما لا يصلح. إنما هي وجهة نظر وتجارب وتأملات، لعلها تفيد أحدًا في لحظة يحتاج فيها إلى أن يرى الصورة من زاوية أخرى.
أحيانًا يكون الخوف من المجهول أقوى من الخوف من الألم المألوف.
العقل قد يفضّل الأذى المعروف على النتيجة غير المعروفة؛ لأن المعروف، رغم سوءه، قابل للتوقع. أنت تعرف حدوده، وتعرف كيف تتعامل معه، بينما التجربة الجديدة تحمل احتمال الفشل أو الخيبة أو الندم، وهي أمور لا تستطيع التحكم بها بالكامل.
لكن الحياة فرص، والفرص لا تنتظر دائمًا.
التغيير جزء من طبيعة الحياة، لكنه ليس خيرًا في كل وقت، كما أن البقاء ليس شرًا في كل وقت. هناك تغيير ينقلك إلى حياة أفضل، وهناك تغيير قد يأخذك إلى طريق لم تكن تتوقعه. ولذلك لا يكفي أن تقول: «أريد أن أغيّر»، بل يجب أن تسأل: لماذا؟ وإلى أين؟ وما الذي سيأتي بعد ذلك؟
والتاريخ مليء بتغيرات غيّرت مجرى حياة الأمم والأفراد. هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى يثرب، فكانت الهجرة تحولًا عظيمًا في مسيرة الدعوة، وأصبحت يثرب المدينة المنورة. وفي المقابل، تخبرنا كتب السير والتاريخ عن تحركات قبائل وجماعات خرجت طلبًا للمرعى أو الفرص، فتحولت بعض الرحلات مع الزمن إلى حروب وشتات. فالانتقال بحد ذاته ليس ضمانًا للنجاح؛ المهم أن تعرف أين تذهب، ولماذا، وما الذي قد ينتظرك في الطريق.
ولهذا أقول دائمًا: المحاولة تسبق التغيير، والدراسة تسبق القرار.
ومن الطريف أنني جلست يومًا مع طبيب سوداني كان أنيقًا بصورة لافتة؛ تسريحة شعره وملابسه تحملان طابعًا أوروبيًا واضحًا، حتى إنني سألته بعد المعاينة:
ـ أنت إيطالي الجنسية؟
ضحك وقال:
ـ لا، أنا عربي أصيل مثلك.
قلت له: إذن لماذا هذا اللوك الإيطالي؟
قال: يا صديقي، عشت في روما أربعين عامًا، فتطبعت بها. لكنني أتيت إلى المملكة بحثًا عن فرصة أفضل.
ثم سألته مازحًا: وإذا ذهبت إلى الغبيرة والناصرية في الرياض؟
فضحك، ووضع يده على كتفي وقال: تبدأ الأهرام من السودان إلى مصر!
ضحكنا، لكنني خرجت من تلك الجلسة بمعنى جميل: قد يتغير الإنسان في المكان، لكنه لا يضطر إلى أن يفقد جذوره.
وفي شركة كنت أعمل فيها، كنا نتعامل مع يابانيين. كان أحدهم يراقب الصلاة في وقتها بأدب وصمت، ولم يكن يحتك بنا كثيرًا، وكان يتحدث العربية بتكسير لطيف. وبعد فترة حدث بيننا حديث عن العمل، فقال لي إنه كان في اليابان، ثم وجد فرصة إقليمية للعمل وانتقل إليها.
ونصحني بالتنقل في العمل حتى تكبر الخبرة في سيرتي الذاتية.
فقلت له مثلًا من عندي: سيف الساموراي إذا طال بقاؤه في الغمد، لا يصبح أكثر حدة.
قد يكون الانتقال مؤلمًا، لكنه أحيانًا هو الذي يصنع الخبرة.
وفي المقابل، رأيت في الحياة قرارات اتخذها أصحابها في لحظات غضب، ثم احتاجوا سنوات لمعالجة آثارها.
في العلاقات الزوجية مثلًا، هناك بيوت تتحول فيها الخلافات إلى صراخ وتهديد بالطلاق، وقد يصل الأمر إلى أن يهرب الأبناء من أصوات الشجار ويغلق أحدهم باب غرفته باكيًا. ثم يعود الزوج من عمله، فتجد الزوجة تحاول إصلاح يومها ويعود البيت إلى هدوئه، وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن هل يعني انتهاء الصراخ انتهاء المشكلة؟
ليس بالضرورة.
سألت الدكتور فارس القحطاني، وهو استشاري نفسي، عن بعض هذه الحالات، وكان من حديثه أن الحياة تحتاج إلى تجاوز، وأن الإنسان لا ينبغي أن يجعل أبناءه يدفعون ثمن صراعات الكبار.
وهنا أتوقف عند نقطة مهمة: ليس كل صلح تجاوزًا، وليس كل انفصال نجاحًا، وليس كل بقاء فشلًا. القرار الصحيح يختلف باختلاف الأشخاص والظروف والنتائج المتوقعة.
هناك إنسانة فاضلة تتألم كل ليلة بسبب سعيها إلى الخلع، وهناك رجل يبكي ندمًا بسبب قرار اتخذه في نزوة أو اندفاع. لذلك لا يكفي أن نقول للإنسان: «غيّر»، بل يجب أن نسأله: ماذا سيحدث بعد التغيير؟
بعض الناس قد ينسى سنوات من الأخطاء بسبب لحظة عاطفية؛ قبلة على الخشم، أو كلمة جميلة، ثم يعود إلى الدائرة نفسها.
المشاعر مهمة، لكنها ليست وحدها معيارًا لاتخاذ القرارات المصيرية.
حتى في السياسة، هناك قاعدة تقوم على أن الطلب يكون بقدر الاستطاعة، فلا مبالغة في المطالب ولا تجاهل للإمكانات. وأظن أن الحياة كذلك؛ لا بد أن تكون أحلامنا كبيرة، لكن يجب أن تكون خطواتنا محسوبة.
مجتمعاتنا تتغير، والإنسان يتغير، والأذواق تتغير، والمهن تتغير، وحتى المدن تتغير. لكن هناك أشياء أساسية ينبغي ألا تتغير: القيم، والأخلاق، والوفاء، وأصل الإنسان الطيب.
وأنا أقول هذا الكلام وأنا أعترف بخطئي.
كنت أريد إنشاء مقهى، فأعددت خطة جدوى، ودرست المنتجات، وكنت أعرف تفاصيل المشروع، لكنني لم أحسب عاملًا مهمًا: أن السوق لم يكن قد تعافى بالشكل الكافي من آثار جائحة كورونا.
كان الخطأ في الحساب، وكانت النتيجة مؤلمة؛ تركت وظيفة، وتشتتت أشياء كثيرة في حياتي.
لكن الإنسان لا ينبغي أن يجعل الخطأ نهاية الطريق.
الأزمات، مهما كانت قاسية، قد تعيد الإنسان إلى نفسه، وتقرّبه من الله، وتجعله يعيد ترتيب أولوياته. وقد تنتقل من جدول صغير كنت تظنه نهاية العالم إلى محيط واسع، فتكتشف أن فيه كنوزًا لم تكن تراها.
بعض التغيير مؤلم، لكنه قد يكون مثل نزع قلب متعب واستبداله بقلب جديد.
ولهذا لا أحب نظرية «التغيير بأي ثمن». حتى التغيير يحتاج إلى عقل.
هناك ما يسمى مجازًا بـ«نظرية الضفدع»، التي تُستخدم للتعبير عن اعتياد الإنسان على التغير التدريجي في الظروف السيئة حتى لا ينتبه إلى خطورتها. والمغزى هنا ليس صحة التجربة العلمية بحد ذاتها، وإنما الفكرة الإنسانية: قد يعتاد الإنسان ما يؤذيه بالتدريج حتى يصبح الأذى بالنسبة إليه طبيعيًا.
لذلك قد يكون التغيير أحيانًا ضرورة لإنقاذ الإنسان من اعتياده على الخطأ.
لكن هناك فرقًا بين التغيير الواعي والتغيير الذي يولده الغضب.
الغضب قد يجعل الإنسان يهدم ما بناه في سنوات خلال دقائق. وقد شاهدنا في حياتنا مواقف كثيرة يكون فيها الإنسان غاضبًا، فيرفض الحديث أو يتخذ قرارًا ثم يندم عليه عندما تهدأ نفسه.
أتذكر أنني شاهدت ذات مرة مباراة للهلال السعودي خسر فيها الفريق، وجاء الإعلام إلى صاحب السمو الملكي الأمير عبدالرحمن بن مساعد، فاعتذر عن الحديث وقال إنه غاضب ولا يريد أن يتحدث.
أعجبتني الفكرة؛ لأن الإنسان العاقل يعرف أن بعض القرارات يجب ألا تُتخذ وهو غاضب.
فالإنسان لا ينبغي أن يجعل جمال المكان، أو لحظة غضب، أو تكسير أطباق، أو خلافًا عابرًا سببًا في قرار يحتاج بعدها سنوات للتعافي من آثاره.
التغيير في الحياة واجب، رضينا أم لم نرضَ؛ فالماء إذا ركد تغير، والحياة بطبيعتها حركة.
لكن التغيير ليس أن تغادر فقط، وليس أن تبدأ من جديد لمجرد أنك ضقت بما أنت فيه.
التغيير الحقيقي أن تدرس، وتسأل، وتحاول، وتستشير، ثم تقرر.
لا تجعل الخوف يمنعك من فرصة، ولا تجعل الغضب يصنع لك قرارًا، ولا تجعل الألم المألوف يقنعك بأن المجهول أسوأ منه.
انظر إلى الأمواج الأولى، ثم فكر في الأمواج الارتدادية.
وأخيرًا، لست وليًا على أحد، ولا أملك أن أضع للناس خرائط لحياتهم. أنا فقط أضع أمامك بعض الأسئلة والتجارب، وأقول لك:
غيّر إذا كان التغيير سيقودك إلى ما هو أفضل، وابقَ إذا كان البقاء حكمة، ولا تفعل أحدهما خوفًا أو غضبًا.
فالحياة لا تحتاج منا أن نكون أصحاب قرارات كثيرة، بقدر ما تحتاج أن نكون أصحاب قرارات ناضجة.

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.