زميلي الشيعي.. وقياس الرجال بالأفعال

زميلي الشيعي.. وقياس الرجال بالأفعال
من ذاكرة الجد.. عفوية الجهل وبراءة القصد
بدر بن سالم
في مجتمعنا المتنوع، تتربى الأجيال على موروثات وقصص تشكل وعيهم الأولي تجاه “الآخر”. لا زالت ذاكرتي تحتفظ بمشهدٍ باسمٍ لـ “جدي”، وهو يتحدث بعفوية مفرطة عن ذلك النجار المصري الذي كان يعمل بجوارهم. كان جدي يتعجب ويقول بلهجته الصادقة: “هذا النجار رجل طيب، لكنني لا أراه يصلي معنا في المسجد!”، فكان ابنه (خالي) يبتسم ويصحح له هذا الالتباس قائلاً: “يا والدي، الرجل نصراني (مسيحي)، وله دينه وصلاته الخاصة”.
كنا نضحك حينها، ليس سخريةً من الجهل بالأديان، بل تعجباً من تلك الفطرة التي كانت ترى كل “طيب” مسلماً بالضرورة. ورغم إدراكي التام بأن مصر العظيمة كانت ولا تزال منارةً للعلم والدين، إلا أن تلك الحادثة علمتني أن الناس قديماً كانوا ينظرون لجوهر الإنسان قبل معتقده، وإن خانتهم المصطلحات.
اختبار الإدارة.. وصراع الأفكار
دارت الأيام، وتقلبت بي أحوال الوظيفة حتى صرتُ مديراً لشؤون الموظفين في إحدى الشركات الكبرى. وفي إحدى المرات، تطلب العمل إيفادي إلى منطقة معينة في مملكتنا الغالية لمتابعة سير المهام هناك، وكان السبب الرئيس هو وجود موظف “جديد” لم يمضِ على تعيينه وقت طويل، وكان لزاماً عليّ الوقوف على أدائه ميدانياً.
قبل رحلتي، بدأت الهواتف ترن، والتحذيرات تتوالى من بعض الزملاء الذين تسلل “التوجس” إلى قلوبهم: “انتبه منه.. الرجل شيعي!”. كانت تلك الكلمات تتردد في أذني كصدى لأفكار نمطية تحاول قولبة البشر وتصنيفهم بناءً على المذهب قبل رؤية المنجز. وصلتُ إلى مقر الشركة في الصباح الباكر، وكنتُ أتوقع بروداً في الاستقبال أو حذراً في التعامل بناءً على ما سمعت.
اللقاء الأول.. كسر الجليد بالفكاهة
لكن المفاجأة كانت بانتظاري؛ فما إن وطأت قدماي المكان حتى وجدته أول الحاضرين، يسبق الوقت بهمته. أقبل نحوي بوجهٍ طلق، وابتسامة صادقة، وصافحني بحرارةٍ عرفني فيها بنفسه. وفي لحظة ذكاء اجتماعي وفكاهة غير متوقعة، بادرني قائلاً وهو يضحك: “أهم شيء يا أبا فلان أنك لستَ نصرانياً!”.
ضحكتُ من قلبي، فاسترسل في مزاحه وهو يلمح اهتمامي بالرياضة: “أجل أنت هلالي.. هذا هو المهم!”. في تلك اللحظة، تبخرت كل التحذيرات التي حُمِّلتُ بها في الرياض، وسقطت جدران التصنيف الوهمية. لقد استخدم “الطرفَة” ليكسر الجليد، وليثبت لي أننا تحت سقف هذا الوطن إخوة، تجمعنا الهوية، والمصلحة العامة، وخفة الدم التي تجري في عروق أبناء هذه الأرض.
تلك “الطرفَة” البسيطة لم تكن مجرد عابر سبيل في حياتي، بل كانت حجر الزاوية لعلاقة دامت خمسة عشر عاماً. ذلك الموظف الذي حذروني منه، أصبح اليوم من أعز أصدقائي وأوفى الخلان. رافقته في الشدائد والمسرات، فوجدت فيه الصدق، والإخلاص في العمل، والنبل في التعامل، وهي خصال لا تُعرف بالمذاهب بل بالمعدن الأصيل.
الخلاصة: الميزان الحقيقي
إن تجربتي هذه، ومن قبلها براءة جدي صاغت في عقلي قانوناً لا يحيد: “لا تقيّم الناس إلا بفعالهم”. فالدين لله، والوطن للجميع، والعمل هو الميدان الذي تتمايز فيه قيم الرجال. لقد تعلمت أن الحكم المسبق هو سجنٌ نضعه لأنفسنا قبل أن نضعه للآخرين، وأن القلوب الصافية تجد طريقها لبعضها البعض مهما اختلفت المشارب، طالما أن الاحترام هو القائد، والوفاء هو العنوان.
كاتب رأي
