كُتاب الرأي

الشرقية…

23 سيبتمبر

الشرقية…

بدر بن سالم 

ثم تمضي الحكاية شرقًا،
إلى أرضٍ تتسع حتى يضيق بها الوصف،
إلى المنطقة الشرقية؛ أكبر مناطق المملكة مساحة،
وفي عمقها يمتد الربع الخالي، ذلك البحر الهادئ من الرمال،
الذي يبدو كأنه صفحة لا تنتهي من صفحات هذه البلاد.
ومن الشرق تبدأ حكاية أخرى…
من أجمل بلاد المملكة بأهلها ونهضتها،
أرضٌ جمعت البحر والصحراء،
والصناعة والتجارة،
والمدن الحديثة،
والمزارع التي تحفظ ذاكرة المكان.
الدمام، عروس الخليج،
مدينةٌ تنفتح على البحر،
وتلتقي فيها حركة الحياة بهدوء الساحل.
طرقٌ جميلة، وساحلٌ يفتح للعين مداه،
وميناءٌ وحركة تجارة،
وميناءٌ جافّ يعكس مكانة المنطقة في حركة الاقتصاد.
وفيها حكايات أقدم من طرقها الحديثة؛
حكايات البحر، وصناعة السفن الشراعية،
والصيادين الذين عرفوا الخليج كما يعرف الإنسان طريق بيته،
يخرجون بحثًا عن السمك والمرجان واللؤلؤ.
وتنظر إلى المدينة كل عام،
فتجدها تتجدد،
ويزداد جمالها،
ويزداد معها ترحيب أهلها بالزوار.
وهناك أيضًا…
أكلٌ لذيذ يجعل للزيارة مذاقًا آخر.
ثم الخبر،
بشوارعها وواجهاتها البحرية،
مدينةٌ جمعت بين جمال البحر وحداثة المكان،
حتى أصبحت إحدى الواجهات التي تختصر حكاية التطور في المنطقة الشرقية.
في الخبر تجد الأماكن التي تحبها العائلة،
والمطاعم الراقية،
والواجهة البحرية التي تمنح المكان هدوءًا خاصًا.
وأما أنا،
فمن أكثر الأماكن التي تسكن قلبي كورنيش الخبر.
هناك شيء في البحر يجعلني أعود إليه،
وكأن الموج يعرف صاحبه.
ثم تمضي شمالًا إلى الجبيل،
حيث تحولت الأرض إلى واحدة من أهم مدن الصناعة في المملكة،
فامتزجت فيها صلابة الإنسان السعودي مع طموح وطنٍ أراد أن يصنع مستقبله بيده.
لكن لا تحسب الجبيل مدينة عملٍ وصناعة فقط؛
ففيها البحر أيضًا،
وفيها مساحات تمنحك فرصة لأن تنسى صخب العمل.
وبين فترة وأخرى،
تأخذني الزيارة إلى أقاربي،
عند أبو عساف وبنت عمي أم عساف.
أجلس معهم،
وأتأمل تلك الطلعات التي تمتد ساعاتٍ في البحر،
أجول في مياه الخليج،
وأترك عيني للموج،
وكأن صوت فيروز يمر من بعيد:
«شايف البحر شو كبير…»
هناك تشعر أن البحر ليس ماءً فقط،
بل ذاكرة،
ورحلة،
ومكانٌ تستطيع أن تترك فيه همومك لبعض الوقت.
ثم تعود بك الحكاية إلى القطيف وسيهات،
حيث لا تستقبلك المدن وحدها،
بل تستقبلك القلوب.
هناك عرفت أن للكرم لهجةً لا تحتاج إلى ترجمة،
وأن الدعوة إلى الطعام قد تكون أحيانًا دعوةً إلى الأخوة.
تأتيني الدعوات من أهل القطيف وسيهات،
دعواتٌ كثيرة،
حتى أصبح بيني وبين أهلها شعورٌ يتجاوز المعرفة إلى الأخوة.
وأنا بطبعي أحب الزيارة،
لكنني أعترف أن لأكلهم نصيبًا من هذا الحب!
في مطابخهم شيء مختلف؛
بهاراتٌ ووصفاتٌ عجيبة،
وروائح تسبق الطعام إلى القلب،
وابتساماتٌ جميلة تجعل المائدة أوسع من مجرد طعام.
وكلما جلست إلى موائدهم،
وجدت من كرمهم ما يجعلني أنسى أنني ضيف،
ومن لذة أكلهم ما يجعل الاعتذار عن الزيادة أمرًا مستحيلًا.
الحساء له حكايته،
والنخيل يحيط بالمكان،
والمزارع تمتد كأنها تحفظ ذاكرة القطيف منذ زمن بعيد.
وقد تأخذك الزيارة إلى المزارع في الصباح،
فتأتيك القهوة السعودية،
وتأتي معها الضيافة،
ثم الإفطار،
ثم الغداء،
ثم العشاء…
فتجد نفسك لا تعيش زيارةً عابرة،
بل تعيش يومًا كاملًا كأنك سائحٌ في جمال الطعام والمكان والناس.
وحتى المشالح هناك لها حكاية؛
تحارب الزمن،
وكلما طال بها العمر،
زادت جمالًا وهيبةً،
كأن الزمن لا يستهلكها،
بل يمنحها قيمةً أخرى.
وهكذا بدت لي الشرقية؛
ليست مجرد أرضٍ واسعة،
بل وطنٌ داخل الوطن.
فيها البحر والصحراء،
وفيها الصناعة والتجارة،
وفيها المدن الحديثة،
وفيها المزارع والنخيل،
وفيها البحر الذي يأخذك بعيدًا،
وفيها الإنسان الذي يختصر كل ذلك بابتسامة،
وفنجان قهوة،
ودعوة صادقة:
حيّاك الله… البيت بيتك.
ولعل أجمل ما قيل في عشق هذه الأرض ما كتبه الراحل معالي الدكتور غازي عبد الرحمن القصيبي:
«أتيتُ أرقبُ ميعادي مع القمرِ
يا ساحرَ الموجِ والشطآنِ والجزرِ
هديةً رعيشتا شوقٍ وقافيةٍ
حملتها كلّ ما عانيتُ في سفري
أتيتُ أمرح فوق الرملِ أنبشهُ
عن ذكرياتي القدامى عن هوى صغري»

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

تعليق واحد

  1. بسم الله ماشاء الله
    ابدعت اخي الكاتب المميز بدر
    جولة في الشرقية من جنوبها الى شمالها
    والكلام عنها كثير لايكفيها مقال واحد‼️
    وبقيق والظهران وصفوى وراس تنورة ووجهة الربيع الخليجي النعيرية، والخفجي، وحفر الباطن و قرية العليا و غيرها من المحافظات والمراكز ،لكل منها جماله وخصوصيته وطبيعته، ،
    المنطقة الشرقية ساحرة روادها و من عاش بها استقر فيها ،
    كيف لمن يسكنها ويحبها
    كأي جزء من بيت الجميع الوطن الكبير

    لله درك ماأجمل مقالك عن الشرقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.