الأخبار
سبعون ألفًا ثمن الأمل

سبعون ألفًا ثمن الأمل
بدر بن سالم
في أواخر العشرينات من عمرها، كانت فتاة يتيمة تعمل في إحدى الشركات، وترعى أمًا مسنة لا تجد لها بعد الله إلا ابنتها. كانت حياتها تسير بصورة طبيعية، حتى طرأ على جسدها ما جعل حركتها ثقيلة، فبدأت رحلة البحث عن السبب بين المستشفيات والأطباء.
وبعد الفحوصات، ظهرت نقاط بيضاء في الدماغ، ووُصف لها العلاج، وأصبحت تعتمد على الإبر. وهنا بدأت وطأة المرض تثقل عليها وعلى أسرتها.
فالإنسان قد ينكر مرضه في بدايته، وقد يحاول أن يبدو قويًا أمام من حوله، لكن حين يشتد وقع الحقيقة يصبح الأمر صاعقًا على المريض وأسرته. وفي تلك اللحظة تحديدًا، يكون الإنسان أكثر بحثًا عن أي باب يمكن أن يقوده إلى العافية.
ذات يوم، أخبرتها امرأة عن معالجة شعبية، وقالت لها إنها امرأة «تخاف الله»، واستضافتها إحدى القنوات التلفزيونية، ولها مقاطع منتشرة في التطبيقات. تواصلت الفتاة مع المنسقة، فطُلبت منها معلومات دقيقة: العمر، والطول، والوزن، وهل تستطيع قيادة السيارة، وغيرها من الأسئلة.
ولم تكن الفتاة تسأل: هل هذه المرأة استشارية مخ وأعصاب؟ ولا كانت تملك ترف الانتظار؛ كانت تبحث عن العافية بأي طريق.
أُعطيت موعدًا بعد شهرين، وحاولت جاهدة تقديم الموعد، لكنها وافقت في النهاية على مضض.
وحين جاء الموعد، دخلت إلى بيت المعالجة، فإذا بها امرأة مسنة. رحبت بها، وقبّلت رأسها، ثم قالت لها:
«يا بنتي، امشي قدامي».
مشت الفتاة أربع أو خمس خطوات، ثم أصابها الترنح، فاستندت إلى أحد الكراسي.
قالت لها المعالجة بثقة:
«علاجك عندي يا بنيتي، شهر واحد، وتزولين منه».
في تلك اللحظة أشرقت البسمة على وجه الفتاة. لعلها للمرة الأولى منذ مدة شعرت أن هناك من يقول لها إن المرض لن يبقى معها.
ثم جاء السؤال الذي لم تكن تتوقعه:
«لكن العلاج سبعون ألف ريال».
سبعون ألفًا مقابل شهر واحد.
وهنا لا أتحدث عن امرأة بعينها، ولا أضع كل من يمارس العلاج الشعبي في سلة واحدة، وإنما أتحدث عن ظاهرة أخطر: **استغلال حاجة المريض إلى الشفاء.**
فالإنسان حين يمرض لا يبحث عن دواء فقط؛ أحيانًا يبحث عن الأمل.
وهناك فتاة أخرى تزوجت وتأخر لديها الإنجاب. جاءت إليها امرأة وقالت لها: «يمكن الرحم مقلوب، وأنا أعرف علاجه، ولا آخذ مالًا».
طلبت منها أن تأتي إليها لمدة ستة أشهر، مرة كل أسبوع. ثم وضعت إصبعين على بطنها بعد أن دهنتها بالزيت، وحركتهما خمس مرات، وقالت:
«الحمد لله، خلصنا».
ثم طلبت خمسمائة ريال للجلسة الأولى.
وهناك رجل كان يعاني من آلام في المعدة، فذهب إلى أحد القراء، فأحضر له علاجات من محل عطارة قريب من منزله، وقال له إن هذا العلاج سيزيل الألم، واستشهد بقول الله تعالى: **﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾**.
استمر الرجل في استخدام ما أُعطي له، لكن الألم ازداد، فذهب إلى المستشفى، وهناك اكتُشف أن السرطان وصل إلى مرحلة متقدمة، وأصبح تشخيص الحالة وعلاجها أكثر صعوبة.
وهنا يجب أن نتوقف.
لا أحد يعترض على القرآن، ولا على الدعاء، ولا على الرقية الشرعية، ولا على بعض ما ورد في السنة من أبواب التداوي. الاعتراض على أن يتحول خوف المريض إلى فرصة للمتاجرة، أو أن يُطلب منه ترك التشخيص الطبي والعلاج المتخصص بناءً على تشخيص غير علمي.
وأقول هذا الكلام وأنا مررت بتجربة شخصية.
حين كان والدي، رحمه الله، يعاني من السرطان، أخبرني أحدهم عن شخص يصف نفسه بأنه «دكتور في الطب النبوي». اعترضت في البداية، وقلت: لا توجد مرحلة أكاديمية بهذا الاسم تجعل صاحبها بديلًا عن الطبيب المختص في تشخيص الأمراض وعلاجها.
لكن إخوتي أصروا، ورأيت والدي يتعالج، وكانت رغبة الأسرة في التمسك بأي باب للشفاء أقوى من حجج الاعتراض التي كنت أرددها.
وعندما دخل علينا، بدأ يسأل عن المريض، ثم قال إن الجلسة نصف ساعة بألف ريال.
دُفع المبلغ، واستمرت الجلسة قرابة الساعة.
لكن عندما بدأ القراءة، لفت انتباهي شيء آخر؛ فقد كان ينفث بطريقة شديدة ومبالغًا فيها، فقلت في نفسي: ما هذا النفث؟ أليس النفث في الرقية أمرًا معروفًا له صفته، فلماذا يتحول إلى هذا المشهد الغريب؟
وهنا أدركت أن المشكلة ليست في القرآن، ولا في الرقية، وإنما في **من يتخذ حاجة المريض وسيلة لفرض ممارسات وأسعار لا تستند إلى علم أو ضابط.**
عزيزي المريض، وعزيزتي المريضة:
لا تجعلوا الخوف من المرض يدفعكم إلى إهمال التشخيص الطبي.
قال النبي ﷺ: **«الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهى أمتي عن الكي»**.
والتداوي لا يعني أن نغلق باب الطب، كما أن اللجوء إلى الرقية والدعاء لا يعني أن نترك أسباب العلاج الأخرى.
وفي المملكة العربية السعودية، ولله الحمد، تطورت الخدمات الصحية، وتوجد مراكز متخصصة وفرق طبية تعمل في مختلف مدن المملكة، وتتعامل يوميًا مع حالات معقدة ومستعصية، بفضل الله ثم ما توليه الدولة من اهتمام بصحة الإنسان، وبدعم وتوجيه خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
كما أن الجهات المختصة، ومنها هيئة الغذاء والدواء، تعمل على تنظيم المنتجات والممارسات ذات العلاقة، والتصدي للممارسات المخالفة، وتتيح قنوات للإبلاغ عن المخالفات.
المشكلة أن بعض الناس يقتاتون من ضعف المريض.
ينهشون حاجته بشراسة، لأنهم يعرفون أن المريض المستسلم للخوف قد يدفع كل ما يملك، وقد يبيع ما يستطيع، فقط لأنه سمع جملة واحدة:
**«علاجك عندي».**
وليس كل من باع عشبة يعرف خصائصها، ولا كل من خلط زيتًا يعرف تداخلاته، ولا كل من لمس بطن مريضة يستطيع أن يشخّص مرضها.
فالأعشاب لها خصائص، وجرعات، وتداخلات، ومدة صلاحية، وطرق حفظ، وقد تكون لها آثار جانبية، وقد لا تناسب مريضًا معينًا بسبب مرض آخر أو دواء يستخدمه.
وقد رأيت بنفسي في بعض محلات العطارة أعشابًا ومنتجات مكشوفة، تتحرك حولها الحشرات، وتعلوها الأتربة؛ فكيف يصبح هذا المنتج علاجًا لمريض يحتاج إلى دقة في التشخيص والعلاج؟
لقد عملت في المجال الطبي، وأعرف أن الحالة المرضية تحتاج إلى تشخيص دقيق، وقد تحتاج إلى أكثر من تخصص وفريق طبي متكامل، حتى يصل الأطباء إلى القرار الصحيح قبل بدء العلاج.
لذلك، ليست المشكلة في أن نبحث عن الشفاء من كل باب مشروع، وإنما المشكلة أن يتحول **مرض الإنسان إلى سوق، وخوفه إلى تجارة، وحاجته إلى العافية إلى سبعين ألف ريال.**
فلنكن رحماء بالمرضى.
فالذي أمامنا ليس مجرد شخص يدفع المال؛ إنه إنسان خائف، وأسرة تنتظر، وأم تتعلق بابنتها، وابن يتعلق بأبيه، وزوجة تنتظر عودة زوجها سالمًا.
وأقسى ما يمكن أن يُفعل بالمريض أن نبيع له الوهم حين يكون بأمسّ الحاجة إلى الحقيقة.
