كُتاب الرأي
وظيفة الأحلام

وظيفة الأحلام
عبدالعزيز الحركان
منذ أن كنا صغارًا، قيل لنا إن علينا أن نبحث عن “وظيفة أحلامنا”. عبارة جميلة جدًا، إلى درجة أنها تصلح لأن تُكتب على كوب قهوة وتُباع بجانب عبارة أخرى تقول: “اتبع شغفك”.
ثم كبرنا. واكتشفنا أن الأحلام نفسها تحتاج إلى راتب.
في البداية، كان السؤال بسيطًا: ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟ وكانت الإجابات بريئة ومباشرة: طبيب، مهندس، طيار، معلم، لاعب كرة قدم. لم يكن أحد يسأل الطفل سؤالًا أكثر واقعية: وكم تستطيع أن تتحمل من الاجتماعات التي كان يمكن اختصارها في رسالة؟
فالطفل يرى المهنة من الخارج. يرى الطبيب بمعطفه الأبيض، والطيار أمام الطائرة، والمهندس يحمل خوذته، ولا يرى البريد الإلكتروني الذي ينتظر صاحبه عند السادسة صباحًا، ولا المدير الذي يقول: “عندي ملاحظة بسيطة”، ثم يحتاج إلى ساعة كاملة لشرحها.
وحين نكبر، تبدأ الأحلام بإعادة ترتيب نفسها. لا تعود المسألة: ماذا أحب أن أفعل؟ تصبح: ماذا أستطيع أن أفعل دون أن أخسر صحتي، ونومي، وشيئًا من كرامتي، وما تبقى من علاقتي بأهلي؟
هنا تحديدًا، يحدث أول تصادم حقيقي بين الإنسان والحياة. نكتشف أن العمل الذي حلمنا به قد لا يكون العمل الذي نحتاجه، وأن العمل الذي نحتاجه قد لا يكون العمل الذي نحبه، وأن العمل الذي نحبه قد لا يدفع الفواتير. وهكذا يجد الإنسان نفسه أمام معادلة اقتصادية شديدة القسوة:
“افعل ما تحب، ما لم تكن الفواتير تحب شيئًا آخر.”
لا أحد يخبرنا أن جزءًا كبيرًا من النضج هو أن نتعلم كيف نعيش مع الأشياء التي لم نخترها. قد تقضي سنوات في دراسة تخصص لم تعد تريده. وقد تعمل في مكان لم تتخيل يومًا أنك ستعمل فيه. وقد تستيقظ كل صباح لتذهب إلى وظيفة لا تكرهها بما يكفي للاستقالة، ولا تحبها بما يكفي لتسميها شغفًا. وهذه ربما أكثر منطقة مربكة في حياة الإنسان: المنطقة الواقعة بين الحب والكراهية.
منطقة «مقبولة». والأشياء المقبولة خطيرة، لأنها لا تؤلمنا بما يكفي كي نغيّرها، ولا تسعدنا بما يكفي كي نشكرها. نبقى فيها سنوات. ثم نكتشف فجأة أن السنوات مرت.
المشكلة أن المجتمع لا يكتفي بأن يسألك عن عملك، بل يريد أن يعرف مدى سعادتك به. فإذا قلت إنك متعب، أعطاك أحدهم نصيحة عن الشغف. وإذا قلت إنك تريد تغيير عملك، سألك عن الاستقرار. وإذا قلت إنك مستقر، سألك عن طموحك. وإذا حققت طموحك، سألك عن الخطوة التالية. وكأن الإنسان مشروع تجاري يجب أن يحقق نموًا سنويًا حتى يستحق احترامه لنفسه.
لا يسمح لنا أحد بأن نقول: “أنا بخير هنا.” فلا بد من خطوة جديدة، وهدف جديد، ودورة جديدة، وشهادة جديدة، وحساب جديد على منصة مهنية، وصورة جديدة نبتسم فيها أمام جهاز لابتوب مفتوح على شاشة فارغة. نحن نعيش في عصر أصبح فيه حتى الإرهاق قابلًا للتسويق. يمكنك أن تكون منهكًا، لكن بصورة أنيقة. يمكنك أن تعاني الاحتراق الوظيفي، بشرط أن تستخدم المصطلح الإنجليزي في منشور مهني. يمكنك أن تفقد شغفك، ثم تكتب عنه مقالًا بعنوان جذاب، وتضع في نهايته خمس نصائح لاستعادته.
الحياة الحديثة بارعة في تحويل أزماتنا إلى محتوى. ومع ذلك، لا أظن أن المشكلة في العمل نفسه. العمل جزء من الحياة، وليس من المفترض أن يكون الحياة كلها. المشكلة تبدأ حين نعطي الوظيفة أكثر مما تستحق من وجودنا، ثم نعود إلى البيت خاليين تمامًا، ونكتشف أننا تركنا أفضل ما فينا هناك. فالراتب يعوض كثيرًا من الأشياء، لكنه لا يعيد ساعة قضيتها مع طفل كان يريد أن يحكي لك قصة طويلة. ولا يعيد جلسة مع شخص تحبه وأنت حاضر جسدًا وغائب ذهنًا. ولا يعيد سنوات مرت وأنت تؤجل حياتك إلى “بعد التقاعد”.
قد يكون من الطبيعي أن تعمل من أجل أن تعيش. لكن من المؤسف أن تتحول المعادلة تدريجيًا إلى أن تعيش فقط من أجل أن تعمل. ربما لا نحتاج جميعًا إلى وظيفة أحلام. ربما نحتاج فقط إلى عمل يمنحنا حياة نستطيع أن نعود إليها بعد انتهاء العمل. حياة فيها وقت للأصدقاء، ومساحة للعائلة، وشيء من الصمت، وهواية لا تحقق دخلًا، وشيء نحبه ولا نضع له أهدافًا ولا مؤشرات أداء. شيء نفعله لأننا نريده فقط. فالإنسان ليس آلة إنتاج. ولا قيمته في عدد المهام التي أنجزها، ولا في عدد الرسائل التي أجاب عنها، ولا في قدرته على البقاء متصلًا حتى بعد انتهاء ساعات العمل. وفي النهاية، قد تكون أكبر وظيفة نحاول إنجازها طوال حياتنا هي أن نعيشها. وهذه الوظيفة تحديدًا لا توجد لها إجازة سنوية. ولا يوجد فيها مدير نستطيع أن نطلب منه يومًا إضافيًا للراحة. والأسوأ من ذلك كله أنها الوظيفة الوحيدة التي نكتشف أهميتها غالبًا عندما يبدأ الوقت بإشعارنا بأن العقد يقترب من نهايته.